|
بقلم ناجي العلي:
ما
زلنا أحياء ...بالصدفة!
مر وقت ظن فيه الناس أني مت ، إلى أن مرت إحدى الصديقات في صيدا
واكتشفت أني موجود فأعطيتها رسومات لي لكي يطمئنوا في السفير
ويتأكدوا من أني ما زلت حياً .
وكنت طوال الوقت افكر : ماذا أفعل ؟ وانتهى بي تفكيري إلى ضرورة
الذهاب إلى بيروت ، فودعت زوجتي وأولادي وذهبت ، كان من الصعب أن
أصل ليس فقط بسبب الإسرائيليين ولكن أيضاً بسبب الكتائب الذين كانت
معرفتهم بأني فلسطيني سبباً كاتفياً لقتلي .
بدأت رحلتي ذات صباح باكر في سيارة ، ثم نزلت بين أشجار الزيتون في
منطقة اسمها الشويفات واتجهت إلى بيروت مشياً ، ويومها التقيت
بالكاتب المسحي السوري سعد الله ونوس الذي كان طالعاً باتجاه دمشق
وكان لديه أخبار أني ميت ، ثم وصلت" السفير".
في بيروت التقيت بالكاتبين الفلسطينيين حنا مقبل (رحمه الله)
ورشاد أبو شاور ، وكانا يصدران مجلة اسمها "المعركة " فصرت ارسم
في" السفير" وأرسم في "المعركة "وأتسائل مالذي بإمكان المرء أن
يفعله في مواجهة هذا القصف من الجهات الستة (من الأربع جهات ومن
الجو والسيارارت المفخخة ) .وكما يقول الفلسطينيون " هنا يكون
الموت موجب كثير" كان المواطن منا يشعر بالتقصير والعجز ويرحب
بالموت .
وعشنا معاً نحن العاملين في السفير في تلك الفترة (وحتى البنات مرة
طبخن معكرونة بلا لحم طبعاً ولاشيء ولكننا وجدناها أشهى أكلة .
وكان معنا شاب مصري يعمل في الكانتين ويظل ساهراص معنا ويأتينا
بالشاي والقهوة ) .كانت تجربة خاصة وحميمة وكان شغلنا هو رفع
معنويات الناس بالكلمة ، وبالمانشيت ، بالرسم .
" السفير" قدمت لشبابها ، كما قتل الشاعر علي فودة وهو يوزع مجلة "
الرصيف "التي كان يصدرها . كانت المسألة قدرية ، القذائف تصل
الاطفال في الملاجيء .. وهكذا يشعر الإنسان أن بقاؤه حياً محض صدفة
، إذا جاءت القذيفة جاءت و إن لم تأتِ فذلك مجرد صدفة ، لم تكن
هناك الفرصة أمام أحد ليحزن أو ليبكي . وأنا بكيت مرة واحدة بعد
خروج المقاومة ومجزرة صبرا وشاتيلا . ولم يكن بكائي قهراً بقدر ما
كان إعلاناً أني فلسطيني وأني أبكي الشهداء وأبكي الوضع . كنت
أشعر بالوحشة . كثيراً من أصداقائي الحميمين كانوا قد ذهبوا وكنت
أشعر أن البيوت من حولي فارغة . قبل ذلك كنت تلتقي في نفش تلك
الشوارع بالمناضل المصري مع المناضل اللبناني مع المناضل الفلسطيني
مع المناضل العراقي . والمرء يشعر بوجودهم ويتحامى فيهم ويستظل بهم
، ومع ذلك صار لبيروت بعد خروج المقاومة تقدرير خاص في نفسي .

وكنت أسأل نفسي كيف أعبر ؟ كنت أشعر بالعجز وأتصور أنه لا يوجد أي
شاعر يقدر على تجسيد أي مشعد أو لحظة واحدة من لحظات بيروت ، ومع
ذلك كنت أرسم .
وفي يوم كان القصف فيه عنيفاً جداً على بيروت ، من الجهات الست ،
وتوقفت كل الصحف ما عدا " السفير" وأين نلجأ ؟ لجأنا إلى الدور
الأارضي محل المطابع . واستمر القصف طوال الليل ولم يتركوا زاوية
أو بيتاً إلا وقصفوه . وعندما خرجت فوجدت كل البيوت مصابة من فوق
ومن تحت وانضافت إليها شبابيك جديدة . رسمت زهرة مقدماً لبنت - رمز
بيروت – من الفجوة التي احدثتها القذيفة مع عبارة " صباح الخير يا
بيروت " .

إن "
صباح الخير" لليلة حالكة بهذا الشكل تكتسب معنى خاصاً تصور القاريء
، وبعد كل هذا القصف والموت ، يفتح الجريدة في الصباح ... فيرى
الرسم ، ويرى أحداً يصبح على بيروت . كان ذلك كلقاءنا في الشارع
بعد القصف نقبل بعضنا ونبتهج أننا ما زلنا أحياء وكل شيء يهون
مادمنا ما زلنا أحياء ! .
و عندما بدأ الرحيل – وبالمناسبة لم استطع رؤية هذا المشهد الذي
ربما يكون فيه مقتلي ...

لم
أستطع الخروج لتوديع المقاومة ورؤية الناس وهي ترش الزهور والأرز
على المقاتلين . أقول عندما بدأ الرحيل ومع أول سفينة غادرت
الميناء ، رسمت فدائاً يترك السفينة الراحلة ويسبح عائداً إلى
الشاطيء ، وهو يقول : " اشتقت لبيروت " .

الوعي
يتشكل >>>
يتبع |