للتواصل

 

إرسل بطاقات كاريكاتير

 

كتب ناجي العلي

 

شخصيات الكاريكاتير

 

معرض الكاريكاتير

 

ناجي العلي

 

مصممة الموقع

 

مواقع كاريكاتير

 

ما عرضوا

 

ما رسموا

 

ما نظموا

 

ما كتبوا

 

 

لصفحة الرئيسية ناجي العلي بقلمه > طور الصبا > وبدأ الغزو ..>  دور النساء>  ما زلنا أحياء...بالصدفة! >  الوعي يتشكل >  حنظلة >  عذاب ..الرسم!>  و ..سنستمر ..

Google
 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

         بقلم ناجي العلي:

                  دور النساء

  

    في عين الحلوة تبعثر الناس بين البساتين مع أطفالهم ، أما إسرائيل فلمت كل الشباب (أنا مثلاً انفرزت 4 أو 5 مرات ) ثم اعتقلت ونقلت معظمهم إلى أنصار .

     وهنا بدأ دور النساء . ولا أعتقد أن بإمكان أي فنان أ، يجسد ذلك الوضع الذي عاش في ظله أهالي الجنوب ، على لافور بدأت النساء_ والجثث مازالت في الشوارع _تعود إلى بيوت الزنك الذي انصهر وتعمل مع أطفالها على إصلاح البيت ، بالأحجار ، وبالخشب ، تظلل أولادها من الشمس ، تعمل كالنمل تعيد بناء عششها التي تهدمت . وكان شاغل إسرائيل والسلطة اللبنانية أيضاً أن تختفي هذه المخيمات لأنها هي البؤرة الحقيقية للثورة ، ولكن النساء والأطفال في غيبة الرجال في معسكرات الاعتقال أو المختفين من الرصد الإسرائيلي ، قاموا بإعادة بناء مخيم عين الحلوة .

    شاهدت كيف كان الجنود الإسرائيليون يخشون من الأطفال (الشبل ابن العاشرة أو الحادية عشرة كان لديه القدر الكافي من التدريب الذي يمكنه من حمل مدفع الأر بي جي . والمسألة ليست معقدة ، دباباتهم أمامك وسلاحك في يدك ) كان الإسرائيليون يخشون من دخول المخيم وإن دخلوه فلا يكون ذلك إلا في النهار .

عندما تركت لبنان منذ أكثر من سنة ، كان مخيم عين الحلوة قد عاد .. الحائط الذي ينهدم يعاد بناؤه ويكتب عليه " عاشت الثورة الفلسطينية ، المجد للشهداء ".

 

     وفي تقديري أن هذا العمل لم يكن بتوجيه من أحد بل جاء تلقائياً وكنوع من الانسجام مع النفس .كانت كبرياء الناس وكرامتهم هي التي تملي عليهم تلك المواقف ، لأنه في حالات كثيرة كان الإنسان يتمنى الموت . والإسرائيليون اوصلونا إلى حالة نفسية من هذا النوع كنا قد تجاوزنا مرحلة الخوف والهلع ، وكان الخط الفاصل بين الحياة والموت قد سقط .

أصيبت ابنتنا الصغيرة جودي من قصف عشوائي من جماعة سعد حداد وكان ذلك سنة 1981 ، قبل الاجتياح كنت نائماً وسمعت الصراخ ثم حملتها وهي تصرخ وأجرينا لها عملية جراحية ، ولا نزال نعالجها .

 

     ولكن مصيبتنا تتضاءل أمام مصائب الناس ، فهناك عائلات فقدت خمسة أو ستة شباب من أبنائها وأصبح البيت خاوياً ، همنا الشخصي لا يذكر. وكان يؤرقني طوال الوقت إحساس بالعجز عن الدفاع عن الناس ، فكيف أدافع عنهم برسم ؟ كنت أتمنى أن أستطيع أن أفدي طفلاً واحداً . إن ظروف الادجتياح من قسوتها أفقدت الناس صوابهم . مرة وأنا عائد إلى البيت مع ابني خالد وجدت رجلاً عارياً، كان الناس ينظرون إليه باستغراب ، ناديت على وداد ، زوجتي ، طلبت منها أن تنزل لي قميصاً وبنطلوناً . كان الرجل حجمه كبير فأحضرت قميصاُ من عندي وبنطلوناً من عند جارنا وألبسناه ، كان الرجل في وضع مأساوي جداً حاولت أن أسأله لكنه لم يتكلم . سألت  عنه فعرفت أنه من صيدا وأنه عندما استمر القصف عدة ليال اضطر للخروج ليحضر لأولاده خبزاً أو شيئاً يأكلونه على أمل أن يجد دكاناً مفتوحاً ، لأن صيدا القديمة شوارعها مشقوفة وبالإمكان أن يسير فيها الإنسان بقدر نسبي من الأمان . لم يجد الرجل أي دكان مفتوح فعاد إلى بيته . ولكنه وجد البيت وقد تهدم على زوجته وأطفاله السبعة أو الثمانية ففقد توازنه .

     وعندما أخذنا الإسرائيليون باتجاه البحر ، مررت من أمام هذا البيت فوجدت لافتة مكتوباً عليها بالفحم " انتبه هنا ترقد عائلة فلان " (للأسف نسيت الاسم ) هذه اللافتة كتبها هو بنفسه ، لأن الجثث كانت لاتزال تحت الردم . فقد الرجل عقله وسار في الشارع عارياً.

هذه صورة من صور المآسي وهي عديدة . كان البعض يسر أمام الدبابات الإسرائيلية ويهتف "تعيش الثورة ، تسقط إسرائيل، يسقط بيغن " في حالة فقدان التوازن .

      بجوار بيتنا هناك ساحة ، جاءت جرافات كبيرة وتصورنا أن الإسرائيليين سيقيمون مواقع دبابات لهم ولكنهم كانوا قد لملموا الجثث في الشوارع وأتوا بها لدفنها في هذا المكان الذي أصبح مقبرة جماعية .

     كل من عاش هذه التجربة رأى حجم المأساة ، البعض استطاع استيعابها والبعض الآخر فقد إتزانه . ومع ذلك لم يعد هناك خيار. كانت المرأة تدافع عن زوجها ، تعيد بناء بيتها ، تؤمن ماءها ، تطمئن على الاولاد في أي معتقل، تخرج في المظاهرات ، تطالب بالإفراج عن الرجال المعتقلين. وكانت إسرائيل تحصدهم حصداً بالرصاص . وهناك صديقة إيطالية صورت مشهد النساء اللاتي سقطن برصاص الجنود واستشهدن، لاحقها الإسرائيليون ومرغوها في الوحل ولكنها استطاعت الهروب وجاءت إلى البيت عند وداد زوجتي وغسلت الكاميرا ونشرت الصور التي التقطتها في مجلات غربية .

      وفي هذه المرحلة كان الجيش الإسرائيلي يأتي بصحفيين إلى صيدا ويجعلهم يشاهدون كيف أن الجيش الإسرائيلي يقدم مياهاً للشرب للأطفال . ولم تكشف الصحافة المجازر التي جرت في صيدا . صحيح أن بعض الصحفيين كشفوا الذي حدث في صبرا وشاتيلا ولكن حتى هذا تم جزئياً في سياق هدف سياسي .

 

       لم يكن الهدف من هذه المجازر البشعة قتل الآلاف من الفلسطينين ، إنما كان الهدف زجرنا بالمعنى النفسي . ولكن حتى إن مل البعض من النضال ، فهناك أجيال آتية وكما كنا نتعلم من الحزن في عيون آبائنا ، سوف يلتقط منا من يأتي بعدنا رسالة . جيلنا أعطى ولكن حجم المؤامرة علينا كان أكبر . الواقع العربي خدم أعداءنا / الواقع الدوزلي ومسائل أخرى كثيرة . ..شعبنا لا ينقصه قيادة بل حزب ، حزب يملك دليلاً نظرياً كاملاً يبدأ من نقطة الصفر. لو فهم من كلامي أني غير راض عن الثورة ساقول لك نعم أنا غير راض . أشعر أن فلسطين بحاجة إلى ملائكة ، جند الله ، ألف جيفارا ، أنبياء تقاتل ، قيادات حقيقية واعية تعرف كيف ترد . وبتقديري أن الانظمة العربية أجهضت ثورتنا ، وبتقديري أيضاً أن المقولة القائلة أن الفلسطينين وحدهم هم الذين عليهم تحرير فلسطين ، هي مقولة خائنة ، فكلنا نعرف ما هي طموحات إسرائيل بالنسبة لمصر ولبنان وسوريا .

     وبعد الاجتياح بقيت شهراً في صيدا حاولت مثلي مثل غيري أن أرمم البيت وأن أواسي الناس واعزيهم ، أملأ  ماء ، أنقل أشياء للناس ، إلخ ..ولكني كنت افكر ماذا أفعل وانتهيت إلى ضرورة الذهاب إلى بيروت حيث جريدة" السفير "وحيث بإمكاني أن أرسم .

ما زلنا أحياء ...بالصدفة! >>>  يتبع

 

 Design by   Hanaa Al-Ramli  ©1999 - 2008  www.hanaa.net  . All rights reserved