|
ناجي العلي
أنا من مخيم عين
الحلوة
مقابلة أجرتها
معه د. رضوى عاشور
هذا نص مقابلة أجرتها معه د. رضوى عاشور و
نص المقابلة ليس سرداً لقصة حياته بل هي أيضاً تركز على المبادئ و
الأفكار التي كان يؤمن بها ناجي العلي و نشر النص "دار المستقبل
العربي" في القاهرة تحت عنوان أنا من مخيم عين الحلوة.
ولدت
عام 1936 في
قرية الشجرة, بين طبريا و الناصرة, و نزحت عام 1948 إلى إحدى
مخيمات الجنوب اللبناني وهو مخيم عين الحلوة بالقرب
من صيدا و كغيري من أبناء المخيم كنت أشعر
بالرغبة في التعبير عن نفسي فأمشي في المظاهرات و أشارك في
المناسبات القومية .و في تلك المرحلة تشكل عندي الإحساس بأنه لا بد
أن أرسم و بدأت أحاول أن اعبر عن مواقفي السياسية وهمي وقهري من
خلال الرسوم على الجدران و كنت احرص أن احمل معي قلمي قبل أن أتوجه
إلى السجن و بالمناسبة كان أول من شجعني هو المرحوم غسان كنفاني
الذي مر على المخيم للمشاركة في إحدى الندوات و كان لدينا ناد بسيط
أقمناه من الزنك و التفت غسان إلى رسوم الكاريكاتور التي كانت على
الحائط و تعرف علي و أخذ مني رسمتين أو ثلاثاً و نشرها في"
الحرية".
عملت مدرساً للرسم لفترة بسيطة
بالكلية الجعفرية في صور ثم أتيحت لي فرصة السفر إلي الكويت للعمل
في مجلة "الطليعة الكويتية" حيث كنت اعمل كصحافي و مخرج للمجلة و
كسكرتير تحرير ثم بدأت احتل في المجلة مساحة اعبر فيها عن نفسي
بلغة الكاريكاتور . و عندما ذهبت إلى الكويت كان كل همي أن أدخر
"قرشين" ثم أتوجه بعد ذلك لدراسة الرسم في القاهرة أو في روما ثم
اكتشفت أن الكاريكاتور يرضيني و انه لا بد أن أقيم معرضاً لي كل
عام أو عامين . في الكويت عانيت كثيراً . لي أصدقاء كثيرون كنا
نناضل معاً و سجنا معاً سنة واحدة في الكويت . بتلك المرحلة ولدت
شخصية" حنظلة " و يومها قدمته للقراء بشرح واف
."أنا من مخيم عين الحلوة , وعد شرف أن أظل مخلصاً للقضية وفياً
لها...الخ.." إن شخصية حنظلة كانت بمثابة أيقونة روحي من السقوط
كلما شعرت بشيء من التكاسل . انه كالبوصلة بالنسبة لي وهذه البوصلة
تشير دائماً الى فلسطين.
أنا شخصيا إنسان منحاز لطبقتي و أنا منحاز
للفقراء و القضية واضحة : الفقراء يموتون و يسجنون وهم الذين
يعانون معاناة حقيقية . هناك طبعا من تاجر بقضايا الفقراء و هناك
من يمر بمرحلة النضال مرور ترانزيت ويطالب بعد ذلك بأن يصير نجماً
أبديا . المناضل الحقيقي دائم العطاء يأخذ حقه من خلال حق الأخرين
و ليس على حسابهم. أنا من عين الحلوة مثل أي مخيم أخر أبناء
المخيمات هم أبناء ارض فلسطين لم يكونوا تجارا و ملاكاً , كانوا
مزارعين فقدوا الأرض و فقدوا حياتهم فذهبوا إلى المخيمات. أبناء
المخيمات هم الذين تعرضوا للموت و لكل المهانة و لكل القهر . و
هناك عائلات كاملة استشهدت في مخيماتنا.
أثناء الغزو الإسرائيلي
حين حدث الغزو كنت في صيدا ,
الفلسطينيون في المخيمات شعروا أن ليس هناك من يقودهم . اجتاحتنا
إسرائيل
بقوتها العسكرية و انقضت علينا في محاولة لجعلنا ننسى شيئاً اسمه
فلسطين. و كانت تعرف انه الوضع العام في صالحها , فلا الوضع العربي
, ولا الوضع الدولي و لا وضع الثورة الفلسطينية يستطيع إلحاق
الهزيمة بها . ورغم إني لست عسكرياً , انه من الممكن أن تجتاح
إسرائيل لبنان بخسائر أكبر بكثير . إن مؤامرة كانت واردة في تلك
المرحلة , مؤامرة تطهير الجنوب اللبناني و القضاء على القوة
العسكرية الفلسطينية و فرض الحلول "السلمية" . كان بالإمكان أن
نسدد ضربات موجعة لإسرائيل و لكن مخيماتنا ظلت بلا قيادة و وكيف
لأهاليها أن يواجهوا الألة العسكرية الإسرائيلية الطيران و القصف
اليومي من الجو و البحر و البر بالإضافة إلى أن الوضع كان عملياً
مهترئاً . قيادة هرمت, و مخيمات من زنك وطين ,اجتاحها الإسرائيليون
و جعلوها كملعب كرة القدم و مع ذلك وصل الإسرائيليون إلي بيروت و
حدود صوفر و المقاومة لم تنقطع داخل المخيمات و بشهادات عسكريين
إسرائيليين و بشهادتي الشخصية اعتقلت أنا و أسرتي كما اعتقلت صيدا
كلها و قضينا 3 أيام أو 4 على البحر
بعد أن تم الاحتلال كان همي أن
أتفقد المخيم لأعرف طليعة المقاومة و المقاومين بها .. أخذت ابني
معي - و كان عمره 15 سنة و ذهبنا بالنهار , كانت الجثث ما زالت
بالشوارع و الدبابات المحروقة على حالها على أبواب المخيم , لم
يسحبها الإسرائيليون بعد . كان الإسرائيليون قد أحرقوا المخيم, و
الأطفال و النساء كانوا ما زالوا في الملاجئ , و كانت القذائف
الإسرائيلية تنفذ إلى الأعماق و كان قد سقط مئات الضحايا من
الأطفال في المخيم
في صيدا و عين الحلوة تبعثر الناس بين
البساتين مع أطفالهم أما إسرائيل فلمت الشباب (أنا مثلا انفرزت 4
أو 5 مرات) ثم اعتقلت و نقلت معظمهم إلى" أنصار" عندما تركت لبنان
كان مخيم عين الحلوة قد عاد
الحائط الذي يتهدم يعاد بناؤه و يكتب عليه " عاشت الثورة
الفلسطينية , المجد للشهداء " و في أكثر تقديري أن هذا العمل لم
يكن بتوجيه من أحد بل جاء تلقائياً و كنوع من الانسجام
الرسم الكاريكاتوري
الرسم بالنسبة لي مهنة و وظيفة
و هواية و رغم انني أعمل رساماً منذ عشرين سنة إلا أنني لم أشعر
أبداً بالرضا عن عملي . أشعر بالعجز عن توظيف هذة اللغة التعبيرية
في نقل همي لأن همي كبير , و الرسم هو الذي يحقق لي توازني الداخلي
, هو عزائي و لكنه أيضاً يشكل لي عذاباً . أحياناً أقول أن هذا
الكاريكاتور الذي أرسمه يجعل حظي أفضل من غيري لأنه يتيح لي
إمكانية تنفيس همي و أن الأخرين قد يموتون كمداً وقهراً من ذلك
الهم الذي يجثم على قلوبهم و ينفث سمه اليومي فيهم أنا اعرف أن
الرسم يعزيني
|