|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الصفحة
الرئيسية
> ماعرضوا
(
معارض
ونشاطات
ما الذي جَعَلَ ناجي العلي يُنْكر
المثقفَ السلطويَّ ويتّخذ موقفًا نقديّاً لا تَقْبل به السلطةُ ولا
يَرْتاح إليه ذلك المثقفُ؟ ما الذي جعله يَكْسب رغيفَه بشرفٍ في
مناخ يَزْهد بالعمل وبالشرف معًا؟ لا يحتاج الإنسان إلى إعمال
الفكر واستشارة النظريّات هنا، بل يكفي أن يرى إلى ذلك الفنان في
وجوده اليوميّ العاري، كي يتبيّن الفرقَ بينه وبين كثيرين: فلقد
كـان موهوبًا ويَحْترم الموهبةَ، معلنًا أنّها موهبة لـ (الصالح
العامّ) لا ترمي إلى كسب ولا تتطلّع إلى امتياز. بل إنّ تلك
الموهبة الكبيرة هي التي راضته على مواجهة الزائف بالحقيقيّ،
والمتداعي بالنبيل. وإضافةً إلى هذه الموهبة كانت هناك تلك
الإيمانيّةُ العميقة الجميلة القاتلة، التي تَأْخذ به إلى عالم
الألوان والخطوط والأشكال، وتزامله في دروب المخيّم وحارات
اللاجئين، تقصّ عليه عذاباتِهم التي ذاقها، وتحكي له أحزانَهم
المستمرّةَ، مؤكِّدةً أنّ ناجي من الفقراء ومع الفقراء، ومن فلسطين
ومع فلسطين، بعيدًا عن فئة معهودة تتّخذ من فلسطين مطيّةً لما
تشتهي ومن الشعب جسرًا إلى ما تَرْغب. (يا زَلَمِة ما بعرف أرسم
إذا ما دُرْتْ في حواري المخيّم.) المخيّم هو مكانُ الإلهام
الغريب، الذي يُبْصر فيه الفنّانُ القضيَّة الفلسطينيّةَ حين
يَنْظر إلى وجوه إنسانيّة متعبة أضناها الحصارُ، ويحاوِر فيه
(الحسَّ العامَّ السليم)
الذي يَشْرح القضايا المعقدةَ صائبًا، من دون كلمات كبيرة وبلاغة
مخاتلة. إنْ كان المخيم هو التكثيفَ البليغَ للمأساة الفلسطينيّة،
فإنّ ناجي كان يكثِّف الكثيفَ وهو يحاور المخيَّمَ والأسبابَ التي
قادت إلى وجوده. كان يذهب إلى الناس ويصافح عيونَهم، ثم يرتدّ إلى
عزلته المبدعة الموزَّعة على الحبر والورق والقلق والصمت البليغ.
من أين تأتي الأفكار؟ يسأل المثقفون ــ التلاميذ ويَنْطقون باسم
مفكّرٍ كبير. لم يكن ناجي، الذي تلمذَتْه التجربةُ، يُرْهق نفسَه
بالأسئلة المدرسّية، لأنّه عَثَرَ على السؤال خارج الكتب، وعثر على
جوابه خارج الكتب أيضًا، منذ أن أدرك في سنّ مبكرة ملؤها القسوةُ
والمعاناةُ أنّ الإجابات مرسومةٌ في عيون البشر، ولكنّها ناقصةٌ في
سطور الكتب.
في حَوَاري
المخيم، التي تُدْمي القلبَ ولا تُسِرّ العينَ أو تؤنس الضميرَ،
كان ناجي العلي يمارس حريتَه كما شاءها الضميرُ الفنيُّ أن تكون،
ويَطْرح أسئلتَه كما أرادتها الأخلاقُ المسؤولةُ أن تكون، ويرسم
كما شاء أن يَرْسم بلا خشية أو مداراة أو رقيب، وكأنّه يقول: إنّ
مبدعًا لا يَنْصر الحريةَ حين يمارس إبداعَه لا يَنْصر الحريةَ في
أيِّ موقع آخر. لم يَخَفْ ناجي، ذلك الطفلُ الأبديُّ
البديعُ، الرقيبَ الخارجيَّ، ولا هَجَسَ برقابةٍ ذاتيّة تتخيّر من
السطور ما يلبّي المناسبةَ. لهذا رَسَمَ حرّاً، وجَعَلَ من الرسم
شكلاً يبشِّر بالحريّة، ساخرًا من ألوان العبيد الذي أَدْمنوا
(عبوديَّةَ الحاجات) التي تقزِّم الإنسانَ إلى حجم السلعة المشتهاة.
لقد شكّل ناجي
العلي في تعاليمه الكبيرة، الموزَّعةِ على الموهبة الأخلاقيّةِ
والإيمانيّةِ والحريّةِ، إحراجًا صريحًا للمؤسّسة ولمثقّف المؤسّسة
في آن. فمن مفارقات القضيّة الفلسطينيّة المؤْسية أن تُنْتج
(مثقفًا) تَنْصره قضيَّتُه ولا يَنْصر القضيَّةَ التي نَصَرَتْه:
تَنْصره القضيّةُ حين تتستّر على موهبته الناقصة، وتَنْصره حين
تَحْجب انتهازيَّتَه وولعَه بالكمّ الذي لا ينتهي، وتَنْصره حين
تبرِّر (حياتَه السياحيّة.) وكم أَشْهرت القضيّةُ الفلسطينيّةُ من
أسماء انصرفتْ إلى الشهرة وأعرضتْ عن القضيّة! كان ناجي يُحْرج
المثقفَ المجزوءَ الموهبةِ، والكاتبَ المجزوءَ الأخلاقِ،
والإداريَّ المجزوءَ الكرامةِ. وكان راضيًا بنفسه، وشديدَ
الكبرياء، ومقتنعًا بعيشه الكثير النظافة. وما كانت المؤسسةُ أقلَّ
تحرّجًا من هذا الرسّام الطويلِ الريشة والطويلِ اللسان، الذي لا
يُشْترى ولا يروَّض، ولا يَقْبل بـ (العروض) المتلاحقة القائلةِ
بعيشٍ مريحٍ و(رسمٍ أنيق.) وواقع الأمر أنّ حال المؤسسة صورةٌ أخرى
عن حال مثقفها (الملتزم): فهي بدورها مجزوءةُ الموهبة، إلا ما
مَسَّ الفسادَ وعلومَه المبتكرة؛ وهي مجزوءةُ الأخلاق والإيمانيّة،
إلا ما مَسَّ مصالحَها، التي أَبْهَظَ ثقلُها ظهرَ الوطن وصدرَه؛
وهي عديمةُ الحريّة، إلا ما ارتبط بالحريّة سلبًا، كأنْ تهمِّش
كاتبًا لا يرضى الانقيادَ، أو تَلْطم صحفيّاً لا يريد الكذبَ، أو
تُجْهِض ما لا يَقْبل بالركوب و(المحاصصة.)
الفنّان الطليق
وجماليّة العَلَن
التقى ناجي
مَراجعَه
وهو
ذاهب إلى فلسطين. التقاها وهو يَذْكر هراوةَ (الدركيّ) الذي لا
يَرْحم، وهو يبحث عن رغيف الخبز مفردًا، وهو ينتقل من عالم المهنة
الشقيّة إلى فضاء الفنّ. لم يَكْتشف الحريّةَ في الفنّ، بل ذهب إلى
الفنّ لأنّه كان يعرف الحريّة، ويعرف أنّ وراء العالم المعيش
القاسي عوالمَ مختلفةً. فلا أحد يرى الواقعَ المعيشَ مفردًا إلا
إذا كان عبدًا أَقْبَلَ على العبوديّة فأسعدتْه. وما كان واقعُ
الفنّان ناجي إلاّ ذلك الواقعَ الذي يتعرّف بصيغة الجمع: واقعَ
المعاناة وواقعَ التمرُّد، واقعَ المنفى وواقعَ المقاومة، واقعَ
الجهل وواقعَ
الإنارة، واقعَ الآخرين القامع وواقعَ المتمرِّد الذي يصطدم
بالآخرين ويَشْهر ريشتَه النجيبة.
تَعَلّم ناجي
الحريّةَ وهو يتعلّم قلّةَ (الحاجات،) باستثناء الكرامة. وتعلَّمَ
التحرُّرَ من الحاجة من مخيّم فقير ذابل لا (مُرافِقين) له ولا
حاشية... مخيمٍ فقيرٍ كان خيمةً ذات مرّةٍ، تلهـو بها الرياحُ
وتجتاحها الأمطار. وحين تحوّلت الخيمةُ إلى بيت طينيّ بقيت خيمةً
كما كانت، تَصْفعها الريحُ والدركيُّ و(كَرْتُ الإعاشة) والأمطارُ
الموحلة. إنّه الوجودُ العاري الذي حَرَّره عريُه من ثقل الحاجات
وأَطْلقه خفيفًا إلى حدود اللامبالاة. إنه الوجود المكشوف الذي لا
أسوار له ولا حصانة. ولعلّ هذا الوجودَ المشرَّعَ على العلن هو
الذي جَعَلَ من لوحة ناجي العلي خيمةً طليقةً تَسْخر من الريح ولا
تلتفت إلى الهراوة، وتُدْرك أنّ وجودَها الحقيقيّ قائم في مكان
آخر، كما لو كانت الخيمة الساخرة بيتًا جميلاً مضمرًا تناثر في
اتجاهات مختلفة.
كان الفقير ناجي
يرى الأميرَ ولا يعجبه فيَرْسمه ويترك الكتلةَ الأخرى جانبًا، ويرى
الجنرالَ ولا يروقه فيرسمه ويلقي بالنجوم إلى التراب، ويرى
المسؤولَ ويَرْسم دناءتَه، ويتطلّع إلى القائد ويَنْشر صَغَاره،
ويلتفت إلى المثقف
ويَفْضح (نقده،) ويتأمل الأنظمةَ العربيّةَ فيضع على رأسه كيسًا
وينام. كان يواجه المضْمَرَ بالصريح، والسرَّ بالعلن، والسوادَ
المسيطِرَ بفضاءٍ أبيضَ طليقٍ. لهذا عافت نفسُه الأميرَ والجنرالَ
والمسؤولَ والقائدَ واكتفى بحنظلة، الولدِ الفقيرِ النبيهِ الذي
أدار ظهرَه لعالمٍ لا عدلَ فيه ولا أخلاق، ورفع قدمَه الصغيرةَ
تعبيرًا عن تمسُّكه بالحياة واحتقارِهِ لأعداء الحياة. إنّه حنظلة
الذي لم يتخرَّجْ من المدرسة الرسميّة، ولكنّه يَفْهم أكثرَ من
أستاذ المدرسة، ولا يرتدي ما ارتداه تلميذُ المدرسة، ولكنّه يرتدي
شرفًا لا تقرّره الكتبُ المدرسيّة. ولعلّ الفصلَ الباترَ بين الظلم
والعدالة، كما بين الحقّ والخديعة، هو الذي أَمْلى على ناجي أن
يواجه البلاغةَ السلطويّةَ بالعبث الساخر، والترصُّنَ الكاذبَ
بالنكتة، وأن يَجْمع في رسومه بين الأشكال والكلام تأكيدًا لقولٍ
لا يَحْتمل التزويرَ والمجاراةَ. ما كان عبثُ ذلك الإنسان، البسيطِ
في كلامه ولباسِه وحركاتِه، التماسًا لضحكٍ مجانيٍّ ولا تسليةً
مدفوعةَ الأجر، بل كان فيه ما يَخِزُ الضميرَ ويُبْكي القلبَ
ويؤرِّق العقلَ الحيَّ. ذلك أنّ رسومه كانت تعليقًا سياسيّاً
صريحًا على واقعٍ بائسٍ يُرْهق الضميرَ الحقيقيَّ.
في جماليّة
العلنِ، القائمةِ في خيمةٍ مرسومةٍ على الريح، كان ناجي يَنْشر
الحقَّ شفّافًا، ويعلن الفنَّ رسالةً، ويعالن بجموحٍ لا يُقيَّد،
ويَشْهد على مأساة فلسطينيّة حارقة لا تنتهي، عناصرُها: شعبٌ
يقاتل، ومؤسسةٌ تبدِّدَ قتالَه، وجمهرةٌ من (المستشارين) و(الكتبة)
يحوّلون رمادَ الشهداء إلى سمادٍ في أرض بائرة. من العلن جاء ناجي،
وعلى العلن رَسَمَ، وفي العلن صَدَرَ عليه الحُكْمُ الأخيرُ.
ذهب ناجي وبقيتْ
ذكراه ومأساتُه: ذكرى يَحْتفل بها المدافعون عن الحريّة وفلسطين
والفنّ و(بقايا العروبة،) ومأساةٌ
تقول ما قالته دون أن تَرْدع ضالاً أو تهْديَ ضليلاً. كأنّ في
مأساة ناجي العلي مجازًا يحكي مأساةَ شعبٍ التقى بقيادةٍ
خَذَلَتْه، وبمعارضةٍ تستمرّ في الخذلان وتبشِّر بالنصر، دون أن
تدري أنّ (الشهيد) لم يعشْ حياتَه، وأنّه ترك وراءه أطفالاً
يحتاجون إلى مَنْ يعولهم. فالقضايا المنتصرة تحتاج إلى السياسة
الصائبة أكثرَ من حاجتها إلى قبور الشهداء.
أَنْهى غسان
كنفاني دراسته عن ثورة 1963الفلسطينيّة بقولٍ حزين: (مَنْ يقود لا
يقاتِل، ومَنْ يقاتل لا يقود.) لقد قاتل ناجي العلي من يومِ وُلِدَ
إلى اللحظة الأخيرة، تاركًا وراءه (قائدًا) غريبًا، لا يقود ولا
يقاتل ولا يموت.
عمّان
فيصل درّاج
ناقد فلسطينيّ
بارز، مقيم بين عمّان ودمشق.
نقلا عن مجلة "الآداب"
|
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
Design by Hanaa Al-Ramli ©1999 - 2008 www.hanaa.net . All rights reserved
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||