للتواصل

 

إرسل بطاقات كاريكاتير

 

كتب ناجي العلي

 

شخصيات الكاريكاتير

 

معرض الكاريكاتير

 

ناجي العلي

 

مصممة الموقع

 

مواقع كاريكاتير

 

ما عرضوا

 

ما رسموا

 

ما نظموا

 

ما كتبوا

 

 

الصفحة الرئيسية   >   ماعرضوا    ( معارض ونشاطات)    >    فن الكاريكاتير.. ناجي العلي نموذجا

Google
 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

مجلة "الآداب" تحيي ذكرى رحيل الفنان ناجي العلي

 

العدد الجديد من مجلة " الآداب "البيروتية جاء مزدوجا كالعادة لشهري أيلول وتشرين الأول ( سبتمبر وأكتوبر ) وقد أحييت المجلة  الذكرى الخامسة عشرة لاستشهاد  فنان الكاريكاتير الفلسطيني الكبير ناجي العلي بملف حمل عنوان " ناجي العلي :سِحْرُ الكرامة ِ " ، و زينت غلاف العدد صورة مؤثرة ومعبرة للفنان الراحل .

 

  شارك في إعداد الملف رئيس التحرير د.سماح إدريس وابن الشهيد خالد العلي  وعمر البرغوثي وعدد من مراسلي المجلة في بعض الدول العربية ، وساهم  في الملف بكتاباتهم و رسوماتهم اثنان وثلاثون كاتبا وفنانا من بينهم مريد البرغوثي الذي قدم نصا بعنوان " الشجاعة هي ناجي العلي "  وفيصل دراج الذي ساهم بمقالة تحت عنوان " الطليق في المجال المقيد " وبشير الديك الذي تكلم عن تجربته في كتابة سيناريو وحوار الفيلم السينمائي " ناجي العلي " والذي قام بدور البطولة فيه الفنان نور الشريف .

 

 

  الشاعر أحمد مطر شارك بنص تحت عنوان " الأرض حين تتنكر بهيئة إنسان " والفنان المصري جورج بهجوري الذي روى بمسلسل طريف من رسوم الكاريكاتير قصة لقائه بالفنان ناجي العلي ،كما ساهم في الملف الفنانان العراقيان ضياء العزاوي و مؤيد نعمة والسوري يوسف عبد لكي وآخرون ممن قدموا " غاليري " من الرسومات الكاريتيرية مهدى إلى الفنان الراحل وقد زُين الملف بأكثر من عشرين رسمة كاريكاتير من أشهر رسومات ناجي العلي نفسه .

 

  الآداب تستأهل التحية لإنجاز هذا الملف مرتين ، مرةً لأنها انفردت بإحياء ذكرى فنان متمرد وشجاع أعطى كل شيء لقضية حرية شعبه  ،ونزف دمه قطرة قطرة كقرابين العصور المظلمة ، ومرة ثانية  لأنها حاكت و تمثلت   شجاعة المحتفى بذكراه في  الجرأة  والاستقامة فقدمت نصوصا لم تتلعثم أو تنحو منحى استرضاء الآخر أو الذات في أغلبها الأعم ، أما محاولة الفنان الفلسطيني خليل أبو عرفة تبرئة الجهة التي أشارت لها أغلب الأصابع بالاتهام بالتورط في اغتيال الفنان ناجي فإنها تظل رأيا شخصيا  حاول صاحبه ترويجه كوجهة نظر شعبية في فلسطين الداخل ولكنه سيظل رأيا شخصيا بفعل قوة الحقائق  لا أكثر ولا أقل .

 

  إضافة الى هذا الملف نشرت المجلة نصوص ندوة فكرية حول " الإرهاب والعالم بعد 11 أيلول " شارك فيها ثلاثة مفكرين عرب هم صادق جلال العظم وبرهان غليون ويوسف سلامة  وأدار الندوة ياسين الحاج صالح..

 

  في باب "أبحاث" نطالع ثلاثة أبحاث عن "العرب والحركة السياسية الناشئة في العالم" لقاسم عز الدين ، وثانٍ بعنوان "القدرات الصاروخية العربية والإسلامية " لكمال سعيد فبحث مهم وخطير ومسهب للمفكر الأمريكي اليهودي و نصير القصية الفلسطينية المعروف "نورمان فنكلستين "تحت عنوان ( كي لا يطرد الفلسطينيون من جديد ) .

 

 في ملف القصة نقرأ  أربعة نصوص لأحمد عمر و عدنية شبلي و كارين صادر وعبد العزيز الراشدي ،و في ملف الشعر ثمة ثلاثة نصوص شعرية هي على التوالي : "ثالثةً وردة الكتابة " لحميد سعيد و"نايات في عرس الدم البابلي " لمحمد علاء الدين عبد المولى و"الرهان " لبشرى البستاني .

 

 ونختتم مطالعة العدد بباب قراءات في ملف العدد الماضي حول " الدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين التاريخية ساهم في تلك القراءات ماجد كيالي و إلياس شوفاني وملاحظات على ملف "الرقابة في سورية" لرضوان القضماني .

 

 

الافتتاحية
..
ولو مرةً واحدة! سماح إدريس


...
ولو مرةً واحدةً!

 
كيف تتحوّل أمّةٌ عريقةٌ، كأمّتنا، إلى نعاجٍ تَنْتظر الذَّبح؟أليس هذا ما صِرْنا إليه؟

ألسنا اليوم، جميعُنا، نكتفي بانتظار اللحظة التي يَطْلع فيها علينا جورج دبليو بوش بكذبة جديدة تبرِّر ذبحَه للعراق؟أحدَ عشرَ عامًا من الحصار، أَوْدى بحياة أكثر من مليون ونصف مليون عراقيّ، غالبيّتُهم من الأطفال. ولم تستطع هذه الأمّة أن توقف الحصار.
واليوم، يعيش الشعبُ العراقيُّ على حافة حربٍ هائلة (قد تكون نوويّة) تشنّها قيادةٌ يمينيّةٌ صهيونيّة موتورة في البيت الأبيض. ولا تستطيع الأمة العربيّة أن تَفْعل شيئًا لوقف احتمال قيام هذه الحرب.
غدًا أو بعد غد، قد يُعلِن بوش أنّه اكتشف قرينةً هامةً تَرْبط بين محمد عطا وصدّام حسين (لعلّهما أخوان، أو لعلّ الأوّل أمُّ الثاني!) وساعتَها ستُجنّ سماءُ بغداد، وشوارعُها، ومتاحفُها، وأطفالُها، وأقواسُها، وأبراجُها، ودجلتُها وفراتُها، وبيتُ حكمتها.
وسنكون نحنُ أمام التلفزيون، أو نتظاهر في الشوارع قبل أن نعود إلى منازلنا مرتاحي الضمير... ولكنْ من دون أن تتوقف المذبحة العراقيّةُ (والفلسطينيّةُ) بالسّلاح الأميركيّ.
أما آن لهذا الروتين المملّ أن ينتهي؟
لقد حان الوقتُ لكي نهبّ هبّةَ رجل واحد (أو امرأةٍ واحدة) في وجه الولايات المتّحدة الأميركيّة. وحان الوقت لأن نقول لأنفسنا ولغيرنا إنّ >الشارع العربيّ< ليس محضَ خُرافة!
ترى، هل يُعِدّ فنّانونا ومثقفونا تظاهراتٍ تَنْطلق في اليوم ذاته، من كلّ عاصمة عربيّة، تَحْمل عنوانًا واحدًا: أيّتها الأنظمة، احفظي كرامتَنا ولو مرةً واحدة... أو دعينا نمدّ يدَ العون للعراق وفلسطين ــ سلاحًا ومقاتلين ومالاً وكلمةً صادقة؟
ألا يبادِر كبارُ مثقفينا، ولاسيّما أُولئك المعروفون في الغرب، إلى الذهاب إلى بغداد (بغضّ النظر عن موقفهم من نظامها لأنّ الحرب القادمة تَسْتهدف العراقَ والأمّةَ أولاً)، بمعيّة نشطاء أوروبيِّين وأميركيِّين محبّين للسلام، لكيْ يدرأوا عن إحدى أهمّ عواصم الحضارة العربيّة ويلاتِ الموت؟
هل نتخلّى عن ريفيّتنا (التي نسمّيها >خصوصيّةً ثقافيّةً< ظُلْمًا وبهتانًا) فننخرط في تحالفاتٍ طال انتظارُها مع الحركة المناهضة للعولمة الليبراليّة، والتي تضع فلسطينَ والعراقَ على رأس أَجَنْدتها السياسيّة؟
هل تَنْشط حركةُ مقاطعة الشركات والمؤسسات الداعمة لإسرائيل (فيليپ موريس، كوكاكولا، ماكدونالدز،...) وتتّسع وتنسّق في ما بين تشكيلاتها القُطْريّة، لتُصْبحَ نمطَ حياةِ كلِّ مُستهلكٍ عربيّ، فنُرسل إشارةً واضحةً إلى أميركا ــ راعيةِ  معظم هذه الشركات (تُرَى مَنْ يَرْعى مَنْ؟) ــ بأنّ الشعب العربيّ هو مَنْ سيؤْذي الولايات المتحدة إنْ واصلتْ عدوانَها علينا وإنْ واصلت الأنظمةُ تخاذلَها؟
وهل يكون كلُّ مثقف عربيّ مثلَ ناجي العلي: حادّاً كنصل السيف، باهرًا كعين الشمس؟

سماح إدريس

 

ناجي العلي: سحر الكرامة

ملف من إعداد:

سماح إدريس (بيروت)

خالد العلي (لندن)

عمر البرغوثي (رام الله)

 

هذا الملفّ ليس تكريمًا لناجي العلي، إنْ كان التكريمُ لا يليق إلاّ بميت.

فهذا الفنّان والمثقّف المشاكس دومًا، والأخلاقيّ أبدًا، مازال نضرًا حيّاً في عناصر هذه الأمّة: في حجرِ المنتفِض، وساعِدِ المقاتل، وأحلامِ المثقف. وهو حيٌّ نضرٌ في كوابيسِ قَتَلَتِه أيضًا.

إنّه كرامتُنا التي ماتزال قادرةً على أن تقول لا، وهامتُنا العطشى تَطْلب العدلَ حتّى بعد رحيل الجسد.

اثنان وثلاثون كاتبًا وفنّانًا عربيّاً تحلّقوا من حول ناجي العلي، في هذا الملفّ الذي شارَكَنا في إعداده ــ خالدًا ابنَ الشهيد ناجي، وعمرَ، وأنا ــ مراسلو الآداب في سوريّة والمغرب ومصر، ليدافعوا معنا عن حلمٍ بوطنٍ عربيٍّ شريف، ومثقّف عربيّ كريم، وإنسانٍ عربيٍّ حرّ.

حنظلة لا يموت، بل هو لا يشيخ. فالزمن لا يسير حتى نبدأ بتحقيق حلمنا.

ناجي العلي: سحر الكرامة

الطليق في المجال المقيّد

فيصل درّاج

إلى مريد البرغوثي الذي رَفَضَ لعبةَ الوجه والقناع

 

قبل خمسة عشر عامًا أصاب رصاصٌ قاتلٌ ناجي العلي في لندن، فأفضى به إلى مقبرةٍ لم يتوقَّعْها تَوَّجَتْ غربتَه المتلاحقةَ بغربة أخيرة. وقبل ثلاثين عامًا مَزَّقَ انفجارٌ غسّان كنفاني في بيروت، وأرسل بأشلائه إلى اللحد الأخير. تقاسم الطرفان المنفى، والموتَ الغريبَ، وتمرُّدًا طليقَ الجناحين. وتَوزَّعا مفارقةً مؤْسيةً، إذ جاءهما الموتُ من اتجاهيْن متناقضيْن: فقد أصابت الفلسطينيَّ ناجي رصاصةٌ أَطْلقها فلسطينيٌّ آخر، وتناثرتْ أوصالُ الفلسطينيّ غسّان بأدوات إسرائيليّة. كأنّ اغتيالَ الحقيقة يوحِّد بين الصهيونيّ وفلسطينيٍّ ملتبس يَرْجم ناجي طويلاً ولا يَبْخل على غسّان بالثناء، منتهيًا إلى قولٍ أقربَ إلى الأحجيَّة. والأحجيَّة لا وجود لها عند مَنْ يساوي بين الوطن والسلطة، ويرى في ديمومة المتسلِّط غايةً أخيرةً ترتاح إلى غسّان بعد رحيله ولا تطمئنّ إلى ناجي حيّاً وميتًا.

المثقف الأخلاقيّ والمثقف السلطويّ

انتسب ناجي إلى غسّان الذي انتسب إلى فلسطين الحقيقيّة، وقاسَمَهُ رغبةً نبيلةً موجعةً ترى الإنسانَ في حريّته، وتُبْصر حريّتَه في اختيار الموت الذي يريد. وإذا كان غسّان قد طارد موتَه وهو يرنو إلى خيمةٍ مقاتلةٍ تقوِّض >الخيمةَ الأُخرى،< أيْ خيمةَ اللجوء والاستكانة، فإنّ ناجي، الذي استطاب تعبيرَ >أخوات الشلّيتة،< زامَلَ الموتَ وهو يَزْجر سلطةً تساوي بين >الخيام< جميعًا. تقاسم هذان المثقفان، الأكثرُ كرمًا وإبداعًا وصَخبًا في الثقافة الفلسطينيّة، غاياتٍ متماثلةً، تردّ إلى الحقيقة وتتبرّأ من الحسْبان الفقير، معلنةً حقائقَ ثلاثًا: وحدةَ الفكر والممارسة (فالإبداعُ لا يَقْبل نـزاهةً موسميَّةً)؛ ونصرةَ الصحيح ومجابهةَ مَنْ يَعْبث بالصحيح (فلا صحيحَ إلاّ في مواجهةِ ما يقاتله)؛ ودورَ المثقف الحالم في التعبير عن >روح الشعب< والتنديدِ بمَنْ لا يَنْتسب إلى الشعب ويَعْبث به. في هذه المواقف الثلاثة كان ناجي، كما غسّان، يضع المثقفَ في مواجهة السلطة، حالمًا بسلطة عادلة، ويضع المثقفَ في مواجهة >الكاتب،< متطلعًا إلى مثقف أخلاقيّ يكون من الشعب ومعه في آن.

مثقف أخلاقيّ أم مثقف وطنيّ؟ هذا هو السؤال الغريب الذي طَرَحَه ناجي العلي، فكرًا وممارسة، حين كان عضوًا في الأمانة العامة لاتّحاد الكتّاب والصحفيِّين الفلسطينيِّين، وقبل أن يكون عضوًا في اتّحادٍ هجينٍ يَحْتضن الأديبَ وشبهَ الأميّ والأميَّ الكاملَ الذي لا يَبْخل على >المبدعين< بنصائح كثيرة. وإذا كانت تلك الهُجْنة تبدو، للبعض، قبل اغتيال ناجي، تهمةً مارقةً يَسُوقها موتورٌ، فإنّ اغتيالَه نَقَلَ التهمةَ الصادقةَ إلى مقام الحقيقة. ذلك أنّ إعداد الموت، كما التصريح به، جريا في العلن المستريح، دون أن يوقِظا ضميرًا أو يستثيرا غضبًا في المؤسسة الهجينة. لقد كان في >المؤسسة< ما يُخْبر عن مأساة ناجي بأشكال مختلفة: فقد ارتَضَتْ به متوسِّلةً صمتَه، وارتضى بها متوهِّمًا إصلاحَها، من دون أن يدري أن السلطةَ الفاسدةَ تُفْسد مَنِ اقتربَ منها، أو ترمي به إلى التهلكة. وكان عليه أن يَدْخل في كابوس الاختبار: فيَخْتبرَ مثقفين سلطويّين لا ضرورةَ لاختبار أرواحهم الميتة، ويَخْتبرَ ذاتَه التي لا تَعْرف المساومةَ، ويَخْتبرَ >معارضةً< تُعارِض في النهار وتمتثل إنْ جاء المساء، ويَخْتبر منفًى باردًا رَفَعَ عنه غطاءَ بيروت وأَسْلمه إلى عراء لا يَرْحم. لقد اختَبَرَ ابنُ المخيَّم، الذي أَبْدَعَ حنظلةَ، ما شاء له الاختبارَ، وأَوْغَلَ بعيدًا في رهان رومانسيّ، حتى أصمتَتْه الطلقاتُ القاتلة، التي لم تَكْسر الصمتَ الذي ران قبل الجريمة.

كلُّ مَنْ في >المؤسسة،< أو على ضفافها، كان يحذِّر ويتوعَّد ويتنبَّأ ولا يَفْعل شيئًا، سائلاً >السلطةَ< العفوَ، أو بعضَ العفو، ومتَّهمًا ناجي العلي بالمغالاة والتطرّف والبحث عن بطولة مزوَّرة. وحين استقرّ ناجي في قبره الغريب، لازمت الأقنعةُ الوجوهَ، أو ظلَّت الوجوهُ أقنعةً كما كانت، أو اختفت الأقنعةُ والوجوهُ معًا، تاركةً المكانَ كلَّه للكذب الصريح والمراوغةِ البائسة واختراعِ ما لا يَقْبل الاختراعَ. في ذلك المدى المنسوج من الصَّغَار والأوبئةِ والنفاقِ الوجيع كان ناجي العلي ــ وقد استقرّ غريبًا في قبره الغريب ــ يرمي على الفلسطينيِّين بحقيقتيْن دَثَّرَهما البؤسُ والأسى: كان يعطي درسًا غيرَ مسبوق في أخلاقيّة المثقف الذي لا يساوِم، بل في رومانسيّة المثقف البريء الذي يعتقد أنّ للحقيقة جيشًا يحمي ولدَها النجيبَ، وأنّ في الحقّ ما يَنْصر نزيهًا لا يساوِم في الحقّ، وأنّ في حروف العدالة ما يبني متراسًا ويَرْدع ظالمًا ويحمي الأضلاعَ من الشظايا القاتلة. وكان ناجي، في اللحظة عينها، يُعْلن عن فسادِ مؤسسةٍ احتَفَتْ بالفساد ونصّبَتْه قاضيًا؛ وعن تداعي معارضةٍ ما هي بالمعارضة، منذ أن أَدمنتْ أنصافَ الكلمات وارتاحت إلى مفردةٍ خسيسةٍ تدعى >المحاصصة،< التي تعطي لكلّ صاحبِ حصّةٍ حصَّتَه، بعد أن تَسْتلّ لسانَه أو روحَه أو الاثنيْن معًا، تاركةً صاحبَ الحقّ الكريم، الذي يزدري >الحصصَ< جميعًا، يموت غريبًا في مقبرة غريبة تتوِّج غربةً لاحَقَتْه حتى الرمق الأخير.

مثقفٌ أخلاقيّ أم مثقفٌ وطنيّ؟ سؤال يبدو مفتعلاً. بيْد أنّ الأمر لا يَغْدو كذلك حين يرى العاقلُ إلى مآل ناجي العلي، الذي كان عضوًا في >مؤسسة وطنية،< >تَكْتب بالدم من أجلِ فلسطين،< وتقول بـ >كلمةٍ تساوي الرصاصة،< وبـ >قلمٍ محاربٍ< يَرْشق أعداءَه بالحروف المهلكة. فلماذا لاذت >المؤسسةُ الوطنيّةُ< بالصمت وهي ترى الحُكْمَ بالإعدام على مثقف وطنيّ رَسَمَ من أجل فلسطين، وَهَزَّأ أعداءَ فلسطين، وساوى بين الإبداع الفنيّ والانتماء إلى فلسطين؟

إنّ المثقف الأخلاقيّ هو وطنيٌّ لزومًا، من غير أن يكون المثقفُ الوطنيُّ أخلاقيّاً بالضرورة. والسبب قائم في عموميّة الوطن، وفي تفاصيل الأخلاق. إذ يستطيع المثقفُ الوطنيّ أن يتغنّى بهواء الوطن وترابه، وأن يمجِّد الذاهبين إليه والذين استُشْهدوا من أجله، ولكنّه لا يعطي قولاً مفيدًا، لأنّه يضع الكلَّ في الكلّ، من دون أن يفصِّل أو يعترفَ بالأجزاء والمواقف المتجزِّئة. وقد يَلْتهم الكلُّ الأجزاءَ ويصبح عُرْفًا وقاعدةً لدى سلطة تحتفي بـ >العامّ< وتجعله شعارًا، متوسِّلةً رضا الشيطان ومباركةَ الرحمن معًا. رَفَضَ ناجي العلي العقلَ الانتهازيَّ المتخلِّف، الذي يرى الكلَّ ويغتال تفاصيلَه، وسعى إلى التمييز بين المشخَّص والمجرَّد، وبين الفلسطينيّ الذي يموت من أجل الوطن والفلسطينيِّ النقيضِ الذي يَسْتثمر الشهداءَ وما يموتون في سبيله. وكان، في ما يفعل، يَفْصل بين المثقف الأخلاقيّ والمثقف السلطويّ، مبرهنًا أنّ في الأخلاق ما يَتَضَمَّن الوطنَ ويفيض عليه، وأنّ الوطنيّة والفسادَ لا يلتقيان، مادام الفسادُ يَنْصر البيعَ والريعَ ويغتال الشهداءَ قبل أن يوارَوا الترابَ.

إنْ كانت الأخلاقُ في أساس الموقف الوطنيّ، فإنّ مثقفًا مندرجًا في سلطة فاسدة مفسدة لا بدّ أن يَغْترب عن الوطن والأخلاق في آن. تَفْصل الأخلاقُ بين الخطإ والصحيح، وتميِّز المعرفةُ الأخلاقيّةُ بين موقفيْن مختلفيْن، ويَتَعَيَّن المثقفُ الأخلاقيُّ بموقفه من الموقفيْن، أيْ بنصرةِ موقفٍ ومجابهةِ الموقف الذي يَنْقضه. في هذه الحدود يتجلّى ناجي العلي، الذي يؤْمن بالأجزاء وبفضيلة التجزيء، مثقفًا نقديّاً بامتياز، مغايرًا للمثقف السلطويّ، الذي يطمئنّ إلى >عموميّة الوطن< ويَهْرب من التحديد، مضيفًا تلك العموميّة إلى >السلطة العامّة< التي تتحدَّث باسم فلسطين وتَفْعل ما تريد. بيد أنّ الانحياز إلى >الكلّ< الذي يَلْتهم الأجزاءَ لا يشي ببراءة ولا يردّ إلى اعتدال، وإنَّما هو الصيغة الفكريّة الموافقة التي تؤمِّن الامتيازَ، كما لو كان >المثقف الناجح< هو الذي يقايض صمتَه بالمصلحة ويبادل موقفًا عامّاً بلا قوام بامتيازٍ متماسكِ القوام.

 

 

 

 

ما الذي جَعَلَ ناجي العلي يُنْكر المثقفَ السلطويَّ ويتّخذ موقفًا نقديّاً لا تَقْبل به السلطةُ ولا يَرْتاح إليه ذلك المثقفُ؟ ما الذي جعله يَكْسب رغيفَه بشرفٍ في مناخ يَزْهد بالعمل وبالشرف معًا؟ لا يحتاج الإنسان إلى إعمال الفكر واستشارة النظريّات هنا، بل يكفي أن يرى إلى ذلك الفنان في وجوده اليوميّ العاري، كي يتبيّن الفرقَ بينه وبين كثيرين: فلقد كـان موهوبًا ويَحْترم الموهبةَ، معلنًا أنّها موهبة لـ (الصالح العامّ) لا ترمي إلى كسب ولا تتطلّع إلى امتياز. بل إنّ تلك الموهبة الكبيرة هي التي راضته على مواجهة الزائف بالحقيقيّ، والمتداعي بالنبيل. وإضافةً إلى هذه الموهبة كانت هناك تلك الإيمانيّةُ العميقة الجميلة القاتلة، التي تَأْخذ به إلى عالم الألوان والخطوط والأشكال، وتزامله في دروب المخيّم وحارات اللاجئين، تقصّ عليه عذاباتِهم التي ذاقها، وتحكي له أحزانَهم المستمرّةَ، مؤكِّدةً أنّ ناجي من الفقراء ومع الفقراء، ومن فلسطين ومع فلسطين، بعيدًا عن فئة معهودة تتّخذ من فلسطين مطيّةً لما تشتهي ومن الشعب جسرًا إلى ما تَرْغب. (يا زَلَمِة ما بعرف أرسم إذا ما دُرْتْ في حواري المخيّم.) المخيّم هو مكانُ الإلهام الغريب، الذي يُبْصر فيه الفنّانُ القضيَّة الفلسطينيّةَ حين يَنْظر إلى وجوه إنسانيّة متعبة أضناها الحصارُ، ويحاوِر فيه (الحسَّ العامَّ السليم) الذي يَشْرح القضايا المعقدةَ صائبًا، من دون كلمات كبيرة وبلاغة مخاتلة. إنْ كان المخيم هو التكثيفَ البليغَ للمأساة الفلسطينيّة، فإنّ ناجي كان يكثِّف الكثيفَ وهو يحاور المخيَّمَ والأسبابَ التي قادت إلى وجوده. كان يذهب إلى الناس ويصافح عيونَهم، ثم يرتدّ إلى عزلته المبدعة الموزَّعة على الحبر والورق والقلق والصمت البليغ. من أين تأتي الأفكار؟ يسأل المثقفون ــ التلاميذ ويَنْطقون باسم مفكّرٍ كبير. لم يكن ناجي، الذي تلمذَتْه التجربةُ، يُرْهق نفسَه بالأسئلة المدرسّية، لأنّه عَثَرَ على السؤال خارج الكتب، وعثر على جوابه خارج الكتب أيضًا، منذ أن أدرك في سنّ مبكرة ملؤها القسوةُ والمعاناةُ أنّ الإجابات مرسومةٌ في عيون البشر، ولكنّها ناقصةٌ في سطور الكتب.

في حَوَاري المخيم، التي تُدْمي القلبَ ولا تُسِرّ العينَ أو تؤنس الضميرَ، كان ناجي العلي يمارس حريتَه كما شاءها الضميرُ الفنيُّ أن تكون، ويَطْرح أسئلتَه كما أرادتها الأخلاقُ المسؤولةُ أن تكون، ويرسم كما شاء أن يَرْسم بلا خشية أو مداراة أو رقيب، وكأنّه يقول: إنّ مبدعًا لا يَنْصر الحريةَ حين يمارس إبداعَه لا يَنْصر الحريةَ في أيِّ موقع آخر. لم يَخَفْ ناجي، ذلك الطفلُ الأبديُّ البديعُ، الرقيبَ الخارجيَّ، ولا هَجَسَ برقابةٍ ذاتيّة تتخيّر من السطور ما يلبّي المناسبةَ. لهذا رَسَمَ حرّاً، وجَعَلَ من الرسم شكلاً يبشِّر بالحريّة، ساخرًا من ألوان العبيد الذي أَدْمنوا (عبوديَّةَ الحاجات) التي تقزِّم الإنسانَ إلى حجم السلعة المشتهاة.

لقد شكّل ناجي العلي في تعاليمه الكبيرة، الموزَّعةِ على الموهبة الأخلاقيّةِ والإيمانيّةِ والحريّةِ، إحراجًا صريحًا للمؤسّسة ولمثقّف المؤسّسة في آن. فمن مفارقات القضيّة الفلسطينيّة المؤْسية أن تُنْتج (مثقفًا) تَنْصره قضيَّتُه ولا يَنْصر القضيَّةَ التي نَصَرَتْه: تَنْصره القضيّةُ حين تتستّر على موهبته الناقصة، وتَنْصره حين تَحْجب انتهازيَّتَه وولعَه بالكمّ الذي لا ينتهي، وتَنْصره حين تبرِّر (حياتَه السياحيّة.) وكم أَشْهرت القضيّةُ الفلسطينيّةُ من أسماء انصرفتْ إلى الشهرة وأعرضتْ عن القضيّة! كان ناجي يُحْرج المثقفَ المجزوءَ الموهبةِ، والكاتبَ المجزوءَ الأخلاقِ، والإداريَّ المجزوءَ الكرامةِ. وكان راضيًا بنفسه، وشديدَ الكبرياء، ومقتنعًا بعيشه الكثير النظافة. وما كانت المؤسسةُ أقلَّ تحرّجًا من هذا الرسّام الطويلِ الريشة والطويلِ اللسان، الذي لا يُشْترى ولا يروَّض، ولا يَقْبل بـ (العروض) المتلاحقة القائلةِ بعيشٍ مريحٍ و(رسمٍ أنيق.) وواقع الأمر أنّ حال المؤسسة صورةٌ أخرى عن حال مثقفها (الملتزم): فهي بدورها مجزوءةُ الموهبة، إلا ما مَسَّ الفسادَ وعلومَه المبتكرة؛ وهي مجزوءةُ الأخلاق والإيمانيّة، إلا ما مَسَّ مصالحَها، التي أَبْهَظَ ثقلُها ظهرَ الوطن وصدرَه؛ وهي عديمةُ الحريّة، إلا ما ارتبط بالحريّة سلبًا، كأنْ تهمِّش كاتبًا لا يرضى الانقيادَ، أو تَلْطم صحفيّاً لا يريد الكذبَ، أو تُجْهِض ما لا يَقْبل بالركوب و(المحاصصة.)

 

الفنّان الطليق وجماليّة العَلَن

التقى ناجي مَراجعَه وهو ذاهب إلى فلسطين. التقاها وهو يَذْكر هراوةَ (الدركيّ) الذي لا يَرْحم، وهو يبحث عن رغيف الخبز مفردًا، وهو ينتقل من عالم المهنة الشقيّة إلى فضاء الفنّ. لم يَكْتشف الحريّةَ في الفنّ، بل ذهب إلى الفنّ لأنّه كان يعرف الحريّة، ويعرف أنّ وراء العالم المعيش القاسي عوالمَ مختلفةً. فلا أحد يرى الواقعَ المعيشَ مفردًا إلا إذا كان عبدًا أَقْبَلَ على العبوديّة فأسعدتْه. وما كان واقعُ الفنّان ناجي إلاّ ذلك الواقعَ الذي يتعرّف بصيغة الجمع: واقعَ المعاناة وواقعَ التمرُّد، واقعَ المنفى وواقعَ المقاومة، واقعَ الجهل وواقعَ الإنارة، واقعَ الآخرين القامع وواقعَ المتمرِّد الذي يصطدم بالآخرين ويَشْهر ريشتَه النجيبة.

تَعَلّم ناجي الحريّةَ وهو يتعلّم قلّةَ (الحاجات،) باستثناء الكرامة. وتعلَّمَ التحرُّرَ من الحاجة من مخيّم فقير ذابل لا (مُرافِقين) له ولا حاشية... مخيمٍ فقيرٍ كان خيمةً ذات مرّةٍ، تلهـو بها الرياحُ وتجتاحها الأمطار. وحين تحوّلت الخيمةُ إلى بيت طينيّ بقيت خيمةً كما كانت، تَصْفعها الريحُ والدركيُّ و(كَرْتُ الإعاشة) والأمطارُ الموحلة. إنّه الوجودُ العاري الذي حَرَّره عريُه من ثقل الحاجات وأَطْلقه خفيفًا إلى حدود اللامبالاة. إنه الوجود المكشوف الذي لا أسوار له ولا حصانة. ولعلّ هذا الوجودَ المشرَّعَ على العلن هو الذي جَعَلَ من لوحة ناجي العلي خيمةً طليقةً تَسْخر من الريح ولا تلتفت إلى الهراوة، وتُدْرك أنّ وجودَها الحقيقيّ قائم في مكان آخر، كما لو كانت الخيمة الساخرة بيتًا جميلاً مضمرًا تناثر في اتجاهات مختلفة.

كان الفقير ناجي يرى الأميرَ ولا يعجبه فيَرْسمه ويترك الكتلةَ الأخرى جانبًا، ويرى الجنرالَ ولا يروقه فيرسمه ويلقي بالنجوم إلى التراب، ويرى المسؤولَ ويَرْسم دناءتَه، ويتطلّع إلى القائد ويَنْشر صَغَاره، ويلتفت إلى المثقف ويَفْضح (نقده،) ويتأمل الأنظمةَ العربيّةَ فيضع على رأسه كيسًا وينام. كان يواجه المضْمَرَ بالصريح، والسرَّ بالعلن، والسوادَ المسيطِرَ بفضاءٍ أبيضَ طليقٍ. لهذا عافت نفسُه الأميرَ والجنرالَ والمسؤولَ والقائدَ واكتفى بحنظلة، الولدِ الفقيرِ النبيهِ الذي أدار ظهرَه لعالمٍ لا عدلَ فيه ولا أخلاق، ورفع قدمَه الصغيرةَ تعبيرًا عن تمسُّكه بالحياة واحتقارِهِ لأعداء الحياة. إنّه حنظلة الذي لم يتخرَّجْ من المدرسة الرسميّة، ولكنّه يَفْهم أكثرَ من أستاذ المدرسة، ولا يرتدي ما ارتداه تلميذُ المدرسة، ولكنّه يرتدي شرفًا لا تقرّره الكتبُ المدرسيّة. ولعلّ الفصلَ الباترَ بين الظلم والعدالة، كما بين الحقّ والخديعة، هو الذي أَمْلى على ناجي أن يواجه البلاغةَ السلطويّةَ بالعبث الساخر، والترصُّنَ الكاذبَ بالنكتة، وأن يَجْمع في رسومه بين الأشكال والكلام تأكيدًا لقولٍ لا يَحْتمل التزويرَ والمجاراةَ. ما كان عبثُ ذلك الإنسان، البسيطِ في كلامه ولباسِه وحركاتِه، التماسًا لضحكٍ مجانيٍّ ولا تسليةً مدفوعةَ الأجر، بل كان فيه ما يَخِزُ الضميرَ ويُبْكي القلبَ ويؤرِّق العقلَ الحيَّ. ذلك أنّ رسومه كانت تعليقًا سياسيّاً صريحًا على واقعٍ بائسٍ يُرْهق الضميرَ الحقيقيَّ.

في جماليّة العلنِ، القائمةِ في خيمةٍ مرسومةٍ على الريح، كان ناجي يَنْشر الحقَّ شفّافًا، ويعلن الفنَّ رسالةً، ويعالن بجموحٍ لا يُقيَّد، ويَشْهد على مأساة فلسطينيّة حارقة لا تنتهي، عناصرُها: شعبٌ يقاتل، ومؤسسةٌ تبدِّدَ قتالَه، وجمهرةٌ من (المستشارين) و(الكتبة) يحوّلون رمادَ الشهداء إلى سمادٍ في أرض بائرة. من العلن جاء ناجي، وعلى العلن رَسَمَ، وفي العلن صَدَرَ عليه الحُكْمُ الأخيرُ.

ذهب ناجي وبقيتْ ذكراه ومأساتُه: ذكرى يَحْتفل بها المدافعون عن الحريّة وفلسطين والفنّ و(بقايا العروبة،) ومأساةٌ تقول ما قالته دون أن تَرْدع ضالاً أو تهْديَ ضليلاً. كأنّ في مأساة ناجي العلي مجازًا يحكي مأساةَ شعبٍ التقى بقيادةٍ خَذَلَتْه، وبمعارضةٍ تستمرّ في الخذلان وتبشِّر بالنصر، دون أن تدري أنّ (الشهيد) لم يعشْ حياتَه، وأنّه ترك وراءه أطفالاً يحتاجون إلى مَنْ يعولهم. فالقضايا المنتصرة تحتاج إلى السياسة الصائبة أكثرَ من حاجتها إلى قبور الشهداء.

أَنْهى غسان كنفاني دراسته عن ثورة 1963الفلسطينيّة بقولٍ حزين: (مَنْ يقود لا يقاتِل، ومَنْ يقاتل لا يقود.) لقد قاتل ناجي العلي من يومِ وُلِدَ إلى اللحظة الأخيرة، تاركًا وراءه (قائدًا) غريبًا، لا يقود ولا يقاتل ولا يموت.

عمّان

 

فيصل درّاج

ناقد فلسطينيّ بارز، مقيم بين عمّان ودمشق.

 

نقلا عن     مجلة "الآداب"

 

   

 

  Design by   Hanaa Al-Ramli  ©1999 - 2008  www.hanaa.net  . All rights reserved