للتواصل

 

إرسل بطاقات كاريكاتير

 

كتب ناجي العلي

 

شخصيات الكاريكاتير

 

معرض الكاريكاتير

 

ناجي العلي

 

مصممة الموقع

 

مواقع كاريكاتير

 

ما عرضوا

 

ما رسموا

 

ما نظموا

 

ما كتبوا

 

 

الصفحة الرئيسية  > >   أخبار ومستجدات    >  

Google
 

 
 
 

وراء الكلام-عشرون عاما

احمد دحبور
 

ما كان للاحداث الجسام التي عصفت بنا، ان تصرف الذاكرة الوطنية عن مناسبة عميقة، تمر بنا هذه الايام للمرة العشرين. فلا يزال ناجي العلي عابرا للزمن، تشاركنا رسومه فصول المعاناة الفلسطينية، ولا يزال طفله الخالد حنظلة يدير لنا ظهره احتجاجا على ما فعلنا ونفعل بأنفسنا، واذا التفت الينا- وقلما يفعل- فليحدجنا بنظرة هي مزيج من الأسى والغضب.
ولكل شهيد ذكرى، أما ابو خالد، ناجي حسين العلي، فله اثنتان: يوم اطلقت عليه نار الغدر الجبان، ويوم فارق دنيانا بعد صمود اربعين يوما في مواجهة الغيبوبة. اما مئات الرسوم التي تركها، بالألوان والأسود والأبيض، بالكلام ومن غير كلام، فهي لا تزال تعيد انتاج حضوره في الحياة الفلسطينية، حتى ليتساءل كثير من الفلسطينيين ازاء كل مناسبة أليمة تمر بهم: ماذا كان سيرسم ناجي لو أنه موجود الآن؟
والواقع أنه موجود. فحين دب الانشقاق في البيت الفلسطيني قبل زهاء ربع قرن، استنفر حبره وريشته وغضبه، ووقف على اطلال المخيمات، مطلقا صيحة حنظلة الاحتجاجية ضد الجنون والخراب، حتى ليمكن هذه الايام ان نستنسخ رسومه لتلك المناسبة الفاجعة فنراها تلائم واقع الحال الراهن. وإذا أخذ عليه بعضنا انه لم يكن صريحا بما فيه الكفاية يومها، فاكتفى بالاحتجاج على الاقتتال من غير ان يدين احدا، فإننا اليوم ندرك انه لم يكن في وارد تقمص دور القاضي، بل كان كشاهد على العصر، مذعورا مما رأى، وما كان ليتخيل انه منذ ان هاجر به أهله من قريته الشجرة، وهو في الثانية عشرة من العمر، سيعيش حتى يرى الفلسطيني في حرب على الفلسطيني، فابن المخيم- مخيم عين الحلوة، جنوب صيدا اللبنانية- هو جار ابناء صفورية والجش وسمخ وصفد وعين الزتون وحيفا والكابري وعكا، وغيرهم، وقد تصاهروا وتكاثروا فأصبحوا اسرة فلسطينية كبيرة، واذا بالأولاد يتنازعون، واذا بالنزاع يتحول الى ما يشبه الحرب الاهلية. وحسنا فعل ابو خالد حين صمد للكارثة، فلم يبلغ به اليأس حد احراق ريشته واوراقه بل ترك اعماله رقيبا علينا.
وأخطر ما في ناجي العلي، انه لم يكن صاحب قضية كبيرة وحسب، بل كان رساما موهوبا مبدعا مجددا. فقد تكون المسألة التي يثيرها او يعلق عليها، معروفة للجميع، ولكن العمق الفني للعمل هو الذي يضيف اليها ما يبقيها في الذاكرة حتى بعد انتهاء المناسبة. كانت خطوطه اللينة الرشيقة تملي عليك ان تبدأ النظر من انحناء حنظلة حتى انطلاقة الحجر. وكانت تعليقاته اللاذعة بالخط المتميز تجعل تشكيل الحروف جزءا من الرسم. وكانت شخصياته المتعددة: حنظلة، الأب والأم، ومن جهة ثانية غلاظ الرقاب والأقفية، عناصر درامية تجعل رسومه حلقة متصلة في معرض تاريخ التجربة الفلسطينية بالرسم. وحين كانت تختلط الاوراق- وكثيرا ما اختلطت- كان يضع الرافضين والقابلين في مواجهة حادة، ولكن داخل حافلة واحدة، والحافلة تأخذ الجميع الى المجهول اما رؤيته لسياسة الرقابة في الفضاء العربي الملبد فكان يلخصها بأفواه متراصة تغلقها يد حازمة بحركة واحدة.. كان، بالفرح والفخر والزهو يطلق نشيد المقاومة في كل لحظة مقاومة، وحين خرج المقاومون من لبنان جعل من عين الحلوة عينا بشرية تذرف دمعة ساخنة.
ترى أما كان ابو خالد سيشحن تلك العين، بعد ما فعلنا بأنفسنا، بدمعة لا تدري على أي تراب ستسقط؟ قد يقال ان المطلوب هو تحديد المسؤولية. وهذا حق وحقيقة بمعنى ان الحرام بين والحلال بين. وفي بيتنا الصغير نعرف بعضنا بعضا، وأمثالي لا يتخلون عن الشرعية التي تشكل ذاكرتي وعمري وأملي المجروح.. لكن هذا لا يمنع الشعور بالفجيعة. فكل اذى يلحق بأي فلسطيني هو خسارة للمشروع الوطني. وهذا ما كان سيعيه ناجي العلي بجوارحه كلها، ولهذا يأتينا أشد حضورا في ذكراه العشرين.. وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

5 آب 2007

المصدر صحيفة الحياة الجديدة

 

                        

         المصدر  صحيفة


Design by   Hanaa Al-Ramli  ©1999 - 2008  www.hanaa.net  . All rights reserved