|
عندما
تتنكر الأرض بهيئة الإنسان
بقلم أحمد مطر في رثاء الفنان ناجي العلي
في ظهيرة يوم صيفي من أيام عام 1986 ، اجتمعنا على مائدة
الغداء بمنزلي ، وكان باب الصالة مشرعا بوجه الحديقة المجنونة
، حيث الأعشاب التي أهملت قصها قد استطالت بوحشية عاتية ، حتى
أصبحت قطعة من الأدغال .. وكانت دفعات الهواء المتأنية تغلغل
أصابعها فيها ، مسرحة هاماتها بتموجات متصاعدة ، باعثة وشوشة
عميقة موحية .
كان ناجي يحدق فيها مستغرقا .
قلت فيما يشبه الإعتذار: لم أجد وقتا لقصها . لكنه هتف باستنكار
: ولماذا تقصها ؟ هي هكذا أجمل .. أنظر إليها .. إنها تصرخ بكل
براءة الطبيعة .. أتعرف كم أحب هذا المنظر ؟ أود الآن أن أنطلق
راكضاً خلالها وكأنني في الأحراش .. هكذا أشعر بعذوبة الأرض
وهي على فطرتها ، إنها غير الأرض الخارجة من صالون التزيين ،
والجالسة حسب قواعد الإتيكيت .
قلت له ضاحكاً : اغتنم الفرصة ، إذن، قبل زوالها ، وقم فاركض
خلالها بعد الغداء .
ضغط على يدي ضغطة متوسلة : لا تقصها . لم يكن ممكنا ،
بالطبع ، أن تبقى هذه الأعشاب الطفيلية دون قص ، لكنني كنت
أفهم شعور صاحبي جيداً ، ولعلي كنت مثله مغرما بمنظرها المتوحش
ذاك .
ولهذا ، فقد أحسست - ساعتها - بأن نبرته التي كانت دفاعا
حاراً عن أعماقه ، إنما هي دفاع ضمني عن أعماقي أنا .
يفهم هذا الشعور من تفتحت عيناه على الخضرة العارمة المتدفقة
على رسلها في الحقول ، ومن غاصت رجلاه في طين البساتين ، ومن
امتلأت رئتاه برائحة التراب بعد المطر .
ربما يبدو الأمر صيغة شعرية للتعبير عن الارتباط بالأرض ،
لكنني ، كما عرفت صاحبي ، أمنح نفسي حق القول بيقين أن ناجي
كان هو نفسه صيغة شرعية للتعبير عن الأرض ذاتها ، لا مورد هنا
للتشبيه أو الكناية أو الاستعارة .. حيث يسقط الفرق بين أن
يكون المرء مترعا بروح الأرض ، وبين أن تكون الأرض مشبعة بروح
المرء .
إن ناجي ، بهذا الوصف ، هو بحق صورة الأرض عندما تتنكر
بهيئة إنسان !
كان بسيطاً ، طيباً ، عميقاً ، عنيداً ، صابراً ،
ثرَّ العطاء .. وهل تلك إلا انعكاسات شظايا مرآة الأرض ؟
كل شيء كان ينغرس في أعماقه ، إنما يعود ليتفجر على (
صفحته ) بشكله الأصلي دون مواربة أو مجاملة أو تجميل .
بذرة البرتقال تنبت شجرة البرتقال ، وبذرة الحنظل لا تنبت غير
الحنظل .
ومثلما تُبرز الأرض محتوى بذور الأشياء ، كان
ناجي يُبرز محتوى الكائنات المستقرة في أعماقه .. بهيئتها ،
حيث لا يمكن لأي شيطان ، أن يغطي اللعنة الملتصقة بجبينه ،
بمساحيق العفو أو بطلاء المغفرة .. وحيث لا يمكن لأي ثور ،
مهما ثار وأزبد ، أن يبدو على صفحة ناجي خفي القرنين ، ولو وضع
على رأسه تاجا بحجم القهر !
تكون الأرض أصدق ما تكون ، عندما تقدم عطاءها
طبيعياً خالصاً ، لا شبهة فيه لاشتراك الأيدي المتطفلة .
خذ أية لوحة لناجي ، وتأملها . إنك لن ترى إلا
نباتاً طبيعياً ، هو بسيط لكنه أصيل .. وهو مقتصد لكنه غني ..
نبات لم يستعر بذوره من أحد ، ولم يستورد سماداً من أحد ، ولم
يطلب سقاية من أحد .. اللوحة تشخص من أرض الصفحة نسيجَ وحدها ،
شجرة متفردة ، لا تحمل غير ملامحها .. شجرة هي الأرض ، والأرض
هي ناجي .
أكان اتفاقاً أن يولد ناجي في قرية اسمها ( الشجرة
) ؟ ! تلك الشجرة الطيبة أنبتت شجرة طيبة .. أصلها ثابت وفرعها
في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .
أذكر أن شاباً فلسطينياً كان يُحضر للدكتوراه في
لندن ، اتصل بناجي ، ذات يوم ، وعرفه بنفسه طالبا لقاءه . سأله
ناجي على الفور : أرجو ألا تكون من جماعة ( بما أنهُ ) !
وهو يعني بهؤلاء جماعة المتحذلقين الذين تنتزعهم
أضواء المدن من هويتهم ، وتستحيل روح فلسطين في أعماقهم مجرد
بذلة أنيقة ، وألفاظ منمقة ، تنأى بنفسها عن غبار الشجر أو
تراب الأرض .
قال له الشاب : كلا .. أنا من جماعتك.
فرد ناجي : إذن .. ألف أهلا ومرحبا بك .
ومنذ اللحظة التي التقاه ناجي فيها .. أحبه ، لقد
كان بالفعل من جماعته .. شاباً معجوناً بلون الأرض ، ورائحة
الليمون ، وطعم الزيتون .
لقد رأيت ناجي ، أكثر من مرة ، وهو يبدي
ازدراءه بكل قسوة لنماذج أولئك الخارجين على طاعة الأرض ،
ورأيته وهو يصفعهم برأيه فيهم .. على وجوههم ، مثلما تصفع
الأرض بزلزالها كل ما أمامها ، إذا ضاق صدرها بالنار .
ولعل عزاء الذين فاتهم أن يعايشوا هذه الأرض الطيبة
، شخصياً ، هو أنهم لا يفقدون شيئا كثيراً منها ، حين يعايشون
لوحاته .. ذلك أنه حي يتحرك بكل حرارة في كل زاوية من زوايا
لوحاته .
من لم ير ناجي .. بإمكانه أن يراه ، متى شاء في
رسومه .. إن جميع الشخصيات الطيبة المقهورة فيها هي ناجي ، وإن
حنظلة في كافة تحولاته هو ناجي ، وإن كل خط في تلك الرسوم هو
خفقة من قلب ناجي .
وناجي ورسومه والأرض أسماء مترادفة لشيء واحد :
صورة شجرة الأرز في العلم اللبناني تضرب بجذورها في
الأرض ، رغم أنها مجرد رسم لقماش على ورق !
إنها روح ناجي التي تطبع المستحيل بطابعها الممكن .
سارية العلم النابتة في الأرض .. تتفجر عن
غصن ، والغصن يتفجر عن براعم وأوراق وراية ، رغم أن السارية
خشبة ميتة .. ذلك لأن كل ما ينبت في الأرض ، هو عند ناجي ، حيّ
، ومورق ، وبشارة بالميلاد حتى لو كان حديدا .
إن الموجة المرتطمة بالشاطئ لا تعود إلى البحر .. بل تتحول -
عنده - إلى يدين تتشبثان بالأرض .
والنهر العربي عندما يجف ، يتفطر الإنسان العربي
الواقف على ضفته .
والعربي الزاحف نحو ( النبعة ) ، هو كائن من الطين
اليابس المتكسر .. هو الأرض نفسها عندما تظمأ .. أما اللافتة
المشيرة إلى طريق النبعة ، فيكفيها الإسم المخطوط فوقها لكي
تبرعم وتورق .. لا بد لها أن تورق .. أليست مزروعة في الأرض ؟!
عندما تقتلع الجرافة الإسرائيلية تراب
الأرض لإقامة المستوطنات لشذّاذ الآفاق ، يظل الفلسطيني
متشبثاً بقطعة التراب مواصلا غرس شجرته بإصرار وعناد ، فوق
رافعة الجرافة . أطفال ناجي يصنعون دباباتهم بالحجارة ، يرجمون
الغاصب بالحجارة ، وكومة حجارتهم نفسها تكتب بنفسها كلمة ( لا
) .
قبضة الثائر - عنده - تعتصر الحجر حتى يتقطر
بالماء ، ليروي زهرة نابتة في الحجر . يد الثائر الفلسطيني
القتيل ، تندلع من قبرها كالنبتة ، حاملة علم فلسطين . الأطفال
والفتيان والنساء والرجال، تتطوح أيديهم حرة طليقة كالعواصف
وهي تقذف المغتصبين بالحجارة ، لكن أرجلهم ليست سوى جذور أشجار
عنيدة تندفع بعيدا في أعماق الأرض .
ذلك هو ناجي العلي .. رجل حمل في صقيع غربته
الطويلة ، دفء تراب فلسطين .. كامل تراب فلسطين ، وامتزج به
حتى صارا شيئاً واحداً .
من هذه الزاوية .. يبدو البون الشاسع بين الشهيد
الأبي والشاهد الذليل ، بين القتيل الحي والقاتل الميت ، بين
القمة والمستنقع ، بين أن تكون فلسطين هي فلسطين بكل حبة رمل
وكل حبة قلب .. وبين أن تكون مجرد مخفر وبساط أحمر وقطيع من
الجندرمة !
ما أبشع من يأتي فلسطين سائحاً ، يتقلب فوق ترابها
وقلبه فارغ منها حد الاختناق!
وما أعظم من يأتي فلسطين سابحاً في فراغ
المنفى وقلبه ممتلئ بها حد التنفس !
في موازاة ذلك الوطن الماشي على قدمين لا
تزال تمشي في ذاكرة أنفاسي .. رائحة التربة الطرية المختلطة
بشميم العشب الندي ، ساعة كنا ننزل جثمانه الطاهر في القبر
المحفور حديثا ..
وفيما كان ( جوهر العلي ) شقيقة الأكبر ،
يحثو التراب فوقـه، كانت عيناه مغرورقتين بالدمع السخين ، وكان
صوته المخنوق بالعبرة الموجعة ينصب في سمعي كماء النار :
( رحمة الله عليه .. ناجي كان يحب رائحة الأرض ).
وأمنت على نحيبه بهزة رأسي وانهمار دموعي ، غير أن
حسـرة بحجم الكون كانت تضـج في أعماقي معولة : ( ناجي .. هو
الأرض نفسها ) !
|