دائما يحلو لنا ان نتذكر ناجي العلي، لكنه
في هذه الايام الحالكة الرديئة يزداد حضورا ويصبح ضروريا أكثر من اي وقت
آخر·· فناجي لم يكن من المثقفين اياهم، الراقصين في كل عرس والعازفين على
كل وتر، كان مثقفا ملتصقا بالناس وهمومهم وأحزانهم ولم يساوم يوما على
جراحهم، عشقهم حتى صاروا دما يجري في شرايينه، لا يحيا إلا بهم ولا يكبر
إلا من خلالهم·
ناجي العلي في حياته وفي موته على السواء كان يتنفس وطناً اسمه فلسطين،
يضعه نصب عينيه ويسير، كل اتجاه لا يوصله بها مرفوض، وكل طريق لا يقربه
منها محرم عليه، وكل رسمة لا تفتح أفقاً من أجل الحرية لا تنبغي له·· أغلب
ظني ان ناجي العلي لم يكن يرسم بأصابعه بل بقلبه وروحه كأنه كان يضع قطعة
منه في كل رسم يرسمه، حتى كانت تلك القطعة الاخيرة - الرسمة الأخيرة التي
جعلت ظلام لندن يبتلعه إلى الأبد، لكنه ولد في اللحظة التي استشهد فيها في
قلوبنا، ولادة لا تقبل الموت هذه المرة· تماما مثل أبطال الأساطير
والخرافات مع فارق وحيد ان ناجي لم يكن خرافة بل رجلا مناضلا من لحم ودم
تسامت روحه وتسامقت نفسه، ثوريا نقيا صافيا تماما، حقيقيا بالكامل·
نذكر ناجي العلي كلما استشعرنا عقم المرحلة التي نحيا بها، وصافحنا وجهها
العكر طالبا منا نزع جلودنا والتخلي عن جزء من لحمنا ووجودنا لغرباء لا
ندري من اي مصيبة هبطوا علينا·· نذكره لنوغل في ذواتنا نتمرأى فيه لاننا
نرى بشارته حية تركض أمامنا على الارض·· بشارته بثورة الحجارة وأطفال صاروا
عمالقة، ووطن يضج من شماله الى جنوبه رافضا الاستسلام والدعاوى (الرخوة) عن
نصف وطن أو ربع وطن·· عن أجزاء لا تلتم ومعازل لا توصل·· وكأنه - رحمه الله
- كان يرى المستقبل ويقرأه في كفه· ففي لوحاته الاخيرة لم يكن يستشرف فقط
حدوث الانتفاضة بل كان يحرض عليها، وكان يرى دعاة المساومة تكنسهم حجارة
الصغار·
ناجي العلي، كان عاليا دائما في ألقه وصفائه ومواقفه ومبادئه ولهذا لم
تحتمله الحياة العربية ولفظته إلى حيث واجه مصيره وحده·· أما كيف تحقق له
هذا فالجواب ببساطة يكمن هناك: في فلسطين التي ظلت في قلبه خريطة تهديه ولا
تتحرك بوصلته إلا باتجاهها، فلسطين كانت زاده وزوادته وسراجه المنير حين
تشتد الحلكة وتغيب الرؤية، ويصاب (الأكثر) بعمى الالوان أو يغم الأمر عليهم
لضبابية المشهد·· وحين تغوص في الطين مقولات كبيرة ولا تصمد أمام اختبار
النضال·
كان فارساً في زمن لم تعد تجدي فيه الفروسية·· وكان نبيلا في مرحلة تجهض كل
نبل·· وكان كبيرا في وقت مطلوب فيه من الجميع أن يكونوا صغارا، وكان حقيقيا
في لحظة كان فيها (رأس الحقيقة) مطلوبا بامتياز!
فلسطين صخرة ناجي وصليبه·· صخرة سيزيف التي حملها على كتفيه ودار بها
الدنيا ودارت به·· وجاب مدنا وعاش أكثر من حياة في حياة واحدة·
لم يكن ناجي يريد من الدنيا كلها على سعتها سوى ذلك التراب الطهور، لم يحلم
أبدا بوطن آخر·· لم يهنأ بعيدا عنها ولم تحل لقمة في فمه·· ولم ير في اي
سماء أخرى سوى سمائها، ولا في اي بحر سوى زرقة بحرها، ولا في المدن المضيفة
سوى محطة تنقله إليها·· لهذا آمن بالثورة والفقراء لأنهم ملح الأرض ووقود
الثورات·· وهبها ووهبهم أجمل ما فيه وربما وهبته أسوأ ما فيها! تمسك
بالحقيقة التي صارت جمرا، قبض عليها بكل أحلامه وتوقه الى الحرية·· آمن بها،
وضعها في قلبه ولم يفرط في ذرة منها، كان الاخلاص ديدنه بل تمادى في
الاخلاص حتى قتله!
كيف انطلقت تلك الرصاصات الغادرة؟ كيف هان عليها أن تمزق ذلك الجسد وأن
توقف تلك اليد؟!
ولماذا··؟
نفتقد ناجي العلي دائما، وأبدا لن ننساه لأنه واحد من الذين لا يغيبون،
واحد من الذين يصنعون حضورهم حتى في الموت·· واحد من قلائل نادرين وجميلين
جملوا بالثورة وحملوها وحلموا·
ناجي العلي يصافحنا في كل صباح، ونستشعر فجيعتنا بفقدان ابداعه كلما طالعنا
الصحيفة ولم نجد حنظلة فيها لكن عزاءنا الوحيد ان حنظلة يتشخص وجودا واقعيا
على أرض فلسطين·
ناجي العلي·· اسم على مسمى·· فقد نجا بنفسه وبروحه وبكيانه من المستنقع
الذي خاضه غيره عن سبق اصرار وتصميم·
ناجي العلي:
أنت في النور وهم في الظلمة·· ومن في الظلمة يصطاد جيدا من يكون في النور!
ناجي العلي:
أشهد ان الكلام لا يحيط بك، وان العبارات تتكسر على اعتابك·· وان كل كلام
يقولُك·· لا يقولك!
ناجي العلي:
أشهد أنك نجوت!
|