ناجي العلي >> ما كتبوا >> ما كتبه غسان الإمام

Google
 
 
 
 

 الكاريكاتير السياسي: الرسامون أكثر جرأة من كتَّاب الصحافة


ورث فرزات سخرية ريشة نا
جي العلي، دون أن يرث مغالاته في التطرف والغضب.
الكاريكاتير السياسي وجه آخر للكوميديا التي ازدهرت مع ازدهار النظام السياسي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان سماح السلطة المطلقة للكاريكاتير بهذا الازدهار إلى جانب المسرح الكوميدي متعمداً ومُبَيَّتاً. فقد كان الغرض التعويض عن المرارة والغضب الناشئين عن إلغاء السياسة واللعبة السياسية.
غير ان ازدهار الكاريكاتير السياسي حدث في تلك الفترة في العالم العربي خارج مصر، بعدما كانت المدرسة الكاريكاتيرية المصرية هي الرائدة في هذا المجال، وهي التي أرست هذا الفن الجميل في الصحافة العربية.
وقد عرضت في الحلقتين السابقتين من هذا الحديث وبشيء من التفصيل نشوء الكاريكاتير السياسي في مصر ومعاركه الصحفية وتجارب أهم الرسامين المصريين. لكن مع ازدهار العصرين الناصري والساداتي، اكتفى الكاريكاتير المصري غالباً بالنقد الاجتماعي، لأن إلهام الزعامة مسألة لا تتحمل إطلاقاً السخرية والمزاح.
وأرى من واجبي أن استكمل هذا العرض للكاريكاتير بالحديث عن مدرسته في العالم العربي. وأبدأ بالقول انه لا بد لكتَّاب الصحافة ومعلقيها ومثقفيها من الاعتراف بأن زملاءهم رسامي الكاريكاتير كانوا أكثر منهم جرأة وشجاعة في تناول المحظور والممنوع.
نعم، مات صحفيون ومثقفون اغتيالاً واعتقالاً، لكن اللوحة الكاريكاتيرية باتت أكثر مَدْعَاةً للتأمل من قراءة التعليق السياسي والتنظير الانشائي في الصحافة العربية. وإذا كان الصحفيون أكثر صخباً في الضرب على صدورهم كلما اصابهم مكروه أو ظلم، فلا بد أيضاً من الاعتراف بأن زملاءهم الرسامين تعرضوا صامتين أيضاً للطرد والمنع والملاحقة، بل مات واحد من أبرزهم اغتيالاً.
ولم يستطع شرلوك هولمز إلى الآن حل لغز اغتيال الرسام ناجي العلي  الذي سقط على رصيف شارع في لندن في عام 1987. وآثر المحقق الانجليزي الشهير أن يتوارى وراء الضباب تاركاً سيف الاتهام متراوحاً فوق رأس «الموساد» و... رؤوس عربية.
الواقع ان ن
اجي العلي بلغ في الجرأة حد التطرف والمغالاة في التعبير الكاريكاتيري عن آيديولوجيا شمولية كان من السهل عليها «تخوين» كل من يقف على الرصيف المضاد لها.
وهذه المزايدة الغابرة تبدو الآن، بعد تواري عصر الآيديولوجيا، كاريكاتيرية مثيرة للسخرية من كتابها ورساميها. لكن ينبغي لنا ان لا ننسى أن ناجي هو ابن المخيم الفلسطيني بكل مرارته وغضبه ويأسه، والحافل بكل ذلك الحشو من المزايدات الآيديولوجية.
أدرك ناجي بحسه السياسي المرهف الحاجة إلى صحيفة أو مجلة كاريكاتيرية عربية. وقد فاتح زميله المصري بهجت عثمان (راجع حلقة الثلاثاء الماضي) في أمر إصدارها في لندن.
كان بهجت آنذاك يقول: «أصبحت أوضاعنا أكثر إضحاكاً من قدرتنا على التعبير عنها. انه ضحك كالبكاء، حتى الكاريكاتير عاجز عن مواكبة ما يجري». وربما لهذا العجز رفض «بهجاتوس» مشاركة «حنظلة»، وربما كان الرفض أيضاً لخوفه من تشدد ناجي وتطرفه.
لم ير مشروع ناجي النور بعد هروب بهجت عثمان وتهرب غيره. وعلى أية حال، لا أدري كيف كان على عالم سياسي لا يعرف الابتسام أن يتعامل ويتقبل مجلة ساخرة بريشة ناجي، وهو الذي لم يتحمل وطأة شدتها وتطرفها في صحف تخضع بشكل وآخر للرقابة.
ريشة ناجي العلي  بسيطة وبطيئة، لكنها معبرة عن نفسية رسام كان مسيساً من النخاع إلى قدمي حنظلة العاريتين. والسواد الصامت في لوحاته ينطوي على يأس يوحي بالتشاؤم بقدر ما يثير من سخرية وحقد على العجز العربي.
ل
ناجي العلي ظاهرة مسيسة فريدة في الكاريكاتير العربي. ولا شك انه ترك وراءه مدرسة لها روادها وأساتذتها. وعلي فرزات استمرار لناجي العلي  في السخرية السوداء الصامتة وفي حركة الريشة البطيئة، لكن فرزات من الذكاء بحيث يعرف حدود المحظور والممنوع، تلك المعرفة التي سمحت له أخيراً بإصدار صحيفة كاريكاتيرية اسبوعية، وهو ما أخفق فيه ناجي.
من هنا، فهذا الوارث لريشة
  ناجي العلي لا يخرج عن الدائرة المغلقة التي تتكرر فيها لوحاته عن الفساد والبيروقراطية ونقد الخطاب السياسي الإنشائي. لكن التكرار لا يحجب الإعجاب الكبير برسام هو أيضاً ينطوي على خيال واسع وفهم سياسي عميق.
وهناك اليوم محاولات كاريكاتيرية ناجحة في صحافة الخليج والمغرب العربي. ومعظم جيل الكاريكاتير الجديد متأثر بناجي وفرزات. بعض الرسامين ناجح في المحاكاة، وبعضهم ركيك في التقليد حتى السأم، ولا يدرك ان التأثر بفنان معين يجب أن لا يلغي الإبداع وشق طريق جديد.
أكاد أقول ان فرزات الذي يتصدر اليوم واجهة الكاريكاتير السياسي العربي هو رائد هذا الفن في بلده سورية، لو لم أتذكر الرسام سمير كحالة صديقي وجاري في باريس.
ورث سمير عن أبيه مجلة كاريكاتيرية وريشة. «المضحك المبكي» لا تساوي من حيث تقنية التحرير اسمها الشهير الخالد في الذاكرة العربية، وحتى رسوم الأب حبيب كحالة كانت بسيطة وأقرب إلى الرسم العادي منها إلى الكاريكاتير.
كان حبيب كحالة يحرر ويرسم مجلته كلها. كان يسخر من الساسة دون أن يجرح، ثم يذهب في الليل ليسهر معهم في نادي «الشرق» بدمشق. وكان صدر هؤلاء واسعاً لا يضيق برسومه ولا بدعابته السورية التي تلذع أكثر مما تضحك كما تفعل الدُعابة المصرية.
عندما عاد سمير إلى إصدار «المضحك المبكي» بعد رحيل والده لم يستطع ان يطور تحريرها، لكن سورية اكتشفت فيه رسامها الكاريكاتيري. ولو استمر في حرفته لكان اليوم قمة من قمم الكاريكاتير العربي والعالمي.
وقد حاولت في الماضي إقناع سمير بإعادة إصدار «المضحك المبكي». لكن هذا الرسام المبدع والمدهش أغلق المجلة الساخرة وكسر الريشة واشتغل بالمحاماة، ثم أغلق مكتب المحاماة وجاء إلى باريس ليعيش في المنفى صامتاً مؤدباً... منسياً منذ أكثر من عشرين سنة.
استفاد الكاريكاتير السياسي من الحرية الصحفية النسبية في لبنان والكويت. وإذا كان فرزات ورسامون مصريون ساهموا في تغذية صحافة الكويت فتاريخ الكاريكاتير اللبناني يلخصه تاريخ «النهار» صحيفة لبنان الأولى.
الريشة القوية لا تزدهر في صحيفة ضعيفة، ريشة بيار صادق اشتهرت بشهرة «النهار»، بدليل انه كاد ينطفئ عندما أخطأ وغادر «النهار» إلى صحيفة مليشياوية خلال الحرب الاهلية. ثم عاد ليتألق في «النهار» وليصبح بكاريكاتيره معلقها السياسي بعد غياب ميشال أبي جودة وإقلال غسان تويني من الكتابة.
علمتني التجربة الصحفية ان تقنية الريشة لا تكفي لإنتاج كاريكاتير سياسي ناجح إذا لم يكن الرسام الماهر يتمتع بفهم سياسي عميق لواقع الحال. من هنا، نشأت في الصحافة زمالة تعاون لا يعرفها القارئ بين كثير من المحررين ورسامي الكاريكاتير. وفي اللقاء اليومي المشترك تولد الأفكار الساخرة التي لا فضل لرسام الكاريكاتير عليها أحياناً إلا بالرسم.
أضرب على ذلك مثلاً بالرسام الليبي محمد الزواوي الذي لا يملك رسام عربي آخر قدرته الفنية في إتقان التفاصيل. وأحسب انه متأثر بالمدرسة الكاريكاتيرية الأميركية حيث يتمتع الرسام بوقت كاف لرسم لوحة واحدة متكاملة في الأسبوع. لكن الزواوي الذي يمارس نقداً اجتماعياً لا بأس به، يفتقد في كاريكاتيره السياسي ذكاء وحرفة المعلق السياسي.
أخشى أن يكون صبر القارئ قد ضاق ذرعاً بهذا الحديث عن الكاريكاتير السياسي. وكنت أتمنى أن تفسح المساحة المحدودة هنا المجال لحديث أطول عن أكثر من رسام وأكثر من تجربة كاريكاتيرية في الصحافة العربية المحلية والصحافة العربية الدولية.
وأملي كبير في أن يحفز هذا الموضوع مَنْ هو أكثر مني اطلاعاً ومعرفة لإصدار كتاب عن الكاريكاتير العربي فالرسام الناجح هو الذي يكتب اليوم افتتاحية الصحيفة. وقد توارت افتتاحية «لوموند» في صفحاتها الداخلية، وبقي رسامها «بلانتو» يكتب بكاريكاتيره الرائع واللاذع تعليقها اليومي في صدر الصفحة الأولى.

غسان الإمام

صحيفة الشرق الأوسط

 
 
 
 
   
   
   
   
   

 

للتواصل

 

إرسل بطاقات كاريكاتير

 

كتب ناجي العلي

 

شخصيات الكاريكاتير

 

معرض الكاريكاتير

 

ناجي العلي

 

مصممة الموقع

 

مواقع كاريكاتير

 

ما عرضوا

 

ما رسموا

 

ما نظموا

 

ما كتبوا

 


 Design by   Hanaa Al-Ramli  ©1999 - 2008  www.hanaa.net  . All rights reserved