|
غدا ذكرى
استشهاده الرابعة عشرة: ناجي العلي في العاشرة.. عاد
الى »الشجرة« كي ينمو ويكبر
كما
لو انه »يوسف« الحكاية، اخوته قد القوا به الى آخر
الجب، وما من سيارة، لكن جاء الذئب وقتله. ليسوا جميعا،
ربما، تقصدوا القاءه الى هناك وليسوا جميعا رأوا الذئب
فيما يتقدم اليه، كان يعرف ان الذئب سيقتله هو من زمان،
لم يتنبأ بذلك فحسب بل رسمه من دون ان تشير اصبعه الى
الذئب ذاته.
ليسوا جميعا تقصدوا ذلك، والذي حدث في آخر الامر انه
كان وحده حين جاء الذئب، والان نحن وحدنا في الالتباس،
نحن الذين احببنا ناجي العلي من رسومه ومن كثرة ما كنا
حناظل في تلك الرسوم، احببناه بعد ان مات وسمعنا
روايات عديدة عن ذلك، وكل رواية ينقصها الدليل لا
التآويل والتأليب.
ها نحن كلما مرت بنا الذكرى ننتظر احدا ان يعترف لنرفع
قميص يوسف ملطخا بدم رطب منذ اربع عشرة سنة نحو الجهة
التي ذهب الدم اليها.
القاتل ها هنا ذو ملامح شرق اوسطية، اسمر، متوسط
القامة، وهو بالفعل بدا كذلك في فيلم عن ناجي العلي
للمخرج المصري الراحل عاطف الطيب الذي قام بدور ناجي
العلي فيه الممثل نور الشريف.
كانت لناجي العلي فلسطينه التي ضاق ذرعا بها كثيرون،
جمع فيها فقراء الشام كله الى مضطهدي البر المصري
وجوعى السودان، ومضى بينهم مبشرا بفلسطينه المحلوم بها
التي يصرح باسمها.
مات العلي وترك حنظلة وحده في العاشرة.. في فلسطينه
المسكوت عنها شاهدا على انتكاسة حلم يتجدد كلما توهج
دم في انتفاضة.
الذين رفضوا حلمه والذين قبلوه وضعهم ناجي في عربة
واحدة معطوبة.. الذين رفضوا كأنهم الان ملح في ماء،
والذين قبلوا اخذونا الى تلك الهاوية التي كلما بان
لها قاع انكشفت عن قاع ابعد غورا، فيما، حنظلة العلي
المحمول فينا دائما على نزق وشقاوة تضرب يداه ساقيه
ويصرخ: في شعب نايم بالموت عم يضحك.
نشأ ناجي العلي وتربى وجدانه هناك: في مخيم، نشأ وعلى
كتفيه ارث من المهانة والاخافة والاذلال.. تعلق وجدانه
بنجم القومية الستينية ووهمها الجميل واستمر صلبا حين
واتى الافول ذاك النجم، استمر في العاشرة وظل كذلك حتى
مات.
انا رجل احمل خيمتي على ظهري وعشيرتي هي الفقراء..
يقول العلي للروائية رضوى عاشور واضحا في موقفه من
قضيته الوجودية: فلسطينه كما ارادها وكما ظل وفيا
لفكرته عنها حد الموت، حد انه كان يرسم بحامض الكبرتيك،
بحسب احدى الجرائد اليابانية، وكان حنظلة تميمة تحرس
خطاه من الانزياح بفلسطينه يمينا او شمالا مثلما كان
لسانه الذي تربى معه في المخيم لا يتورع عن الشتم
والشماتة والفضح والسخرية بأقذر الالفاظ والاوضاع
واقساها، ابن مخيم »جايب من الآخر«: لا مشكلة عند لو
بال على فكرة او احد.
لم يكن ناجي العلي ليصدق ان فلسطين قابلة للقسمة على
طرف بعينه او ان العودة يمكن تجزئتها، كأن فلسطين
امرأته التي له.. امرأته التي طال عذابه حتى نالها،
وبقي يتودد اليها ويغادر لو خدش الاخرون صورتها
الجميلة.. كان العلي موغلا في فلسطينيته واعية ذات
هوية طبقية لا تعترف ان فلسطين يمكن حبسها في خريطة
جغرافية او سياسية او اقليمية.. فلسطينه حيث يكثر
الفقراء والمعذبون في الارض.. انها وطنهم وجنتهم عما
قريب.
تعلم ناجي الرسم في السجن، خربش على الجدران هواجسه
وظلت الخربشة على الجدران ويافطات المظاهرات واحدة من
الملامح لمزاج ناجي العلي المحتدم والعاطفي والحار
والحاد..
مزاج دفع به الى اقصى درجات الضد ليكون اول شهداء
الكاريكاتور في العالم، ربما.. ولانه كان يعرف ذلك فقد
لمح موته اكثر من مرة بالطريقة ذاتها التي كان قتله
بها.
الرصاصة قتلت العلي كانت قد اخترقت الوجه قريبا من
الانف حتى بلغت الرأس حيث اصل الفكرة ومنطقة الخيال
الجامح، استقرت هناك فانتقل ناجي الى غيبوبة بدأت منذ
الخامسة وعشر دقائق من مساء الثاني والعشرين من تموز
87 وانتهت في التاسع والعشرين من آب حين توقف القلب:
اصل صرخته المدوية.
وفي الثالث من ايلول نقلوا الجثة في كفن حمل العلم
الفلسطيني الى مقبرة (بروك وود) حيث دفن على بعد
ثلاثين ميلا مما قتل في قبر حمل الرقم: 230190.
لا احب ناجي العلي ميتا كسجين يحمل رقما.. فالموتى
والسجناء حين يحملون رقما اشباه ولا احب ناجي العلي
يشبه احدا سواه.
احبه رجلا يجمعه الشبه الى السيد المسيح.. الذين عرفوه
عن قرب نقلوا ان اوصافه تجعله قريبا من المسيح واذ
يتدخل الخيال قليلا فانني احب ناجي العلي هناك: في
الجليل الاعلى يتفيأ الشجرة في قريته »الشجرة« بلغة
اهلها.. قريته التي غادرها في العاشرة وعاد اليها
ثانية كي ينمو ويكبر بعد انقطاع خمسين عاما وهزائم لا
تحصى كالانفاس.. واحبه راعيا ثوبه ابيض ناصع وفي يده
عصا يتوكأ عليها ويهش بها على اغنام قليلة حوله..
بينما حمل اختلط بياضه بسواد يتمسح به.. احبه يطوف
القرى في الجليل.. يهبط الى طبريا مع الصباح الباكر
ليغتسل ثم يصعد التلال القريبة ذاهبا الى البيادر حيث
الشمس تمنح القمح لون الابد الذهبي.
جهاد هديب
28/08/2002
صحيفة
الدستور الأردنية |