أمّة من الأسرى!
ليلتان، لم يرسم ناجي العلي خلالهما، الليلة التي قتل بها على
رصيف ممتد بين التاريخ العربي والجغرافيا البريطانية.
والليلة التي رسم بها خطوطا سوداء كالقضبان على المرآة،
حيث اراد ان يبلغنا جميعا بأننا نتوزع بالتساوي على زنازين
سجن كبير، بسعة الوطن العربي كله.
فمن يحدق الى المرآة يجد نفسه وراء القضبان، ويوم كسرت
مرآة ناجي بحزمة رصاص فلم يحلق ذقنه صباح اليوم التالي، لم
يستطع القتلة كسر كل المرايا التي توجد بغزارة في حياتنا،
في غرف النوم والسيارات وواجهات الحوانيت.
اما القضبان السوداء فقد محاها خلسة محترفو تهريب الاحزان،
وبائعو حبوب منع التحول، ومضادات الوعي.
انني اتخيل الآن تلك المرآة ذات القضبان وقد اتسعت لتشمل
هذه الملايين من الاميال المربعة التي نقيم فيها من المحيط
الى الخليج.
أمّة من الاسرى بمقياس يتجاوز حسابات كائنات الضرورة،
وطابور الرّغيف.
لكن العبيد، بل اردأ انواعهم ان كان للعبودية طبقات، هم
اولئك الذين لا يفرقون بين الحلي والقيود.
وهي أمة من اللاجئين بمقياس آخر، يتجاوز عودة حيوان الى
جحره.
ان ما حدث للعرب ابعد بكثير من هذه التشخيصات الساذجة، فهم
فقدوا المعنى، واصبحوا واقعيين جدا، وذرائعيين الى حد
تساقطت معه الرموز، فالعلم حسب هذه الابجدية الداجنة مجرد
قطعة قماش، والوطن مجرد وظيفة، او تقاعد مضمون، والبطولة
هي في تحقيق سرعة قياسية في الفرار.
لقد رسمنا ناجي ومضى، تاركا لنا هذه المرايا التي تذكرنا
كل صباح بأننا اسرى، وان الحرية ليست في منحنا حق اختيار
زاوية الانحناء.
فالهزيمة الكاملة كالجريمة الكاملة، لا تحدث الا عندما
يغيب الشهود تماما.
كم هي باهظة لحظات الاحتكام الى الحقيقة، ليكتشف الانسان
كم هو مهجور، وكم هو أجوف ومفرغ من مضمونه البشري.
فمن جمهورية الصمت الى جمهورية الحجر، يكتشف الانسان للمرة
الالف ان الحرية ليست مبذولة للجميع، وان كتابة اسم وطن
على جدار قد تكلف الانسان حياته.
ان ما يضيء حياتنا الان ليس هذه الكهرباء بل تلك العتمة
المتوهجة في ازقة تحولت الى خنادق.
اما هؤلاء الذين يقتسمون الرغيف ولا يقتتلون عليه، فهم آخر
الحراس لآخر القلاع.
فحذار نسيانهم، وحذار اسقاط دمهم في المألوف واليومي من
اخبار الفضائيات والترابيات.
انهم وحدهم الذين يحدقون في المرايا، فلا تصدمهم القضبان
السوداء.
خيري
منصور
11/2000
صحيفة
الدستور الأردنية |