|
تضاد الفكرة
والصورة
20 سنة على رحيل ناجي العلي بكاتم صوت في لندن، لم يكن
ناجي العلي خصماً سياسياً ولا ابن سياسة على الاطلاق لكن
لا نشك في انه اغتيال سياسي· له ولكاريكاتوره واليد التي
ترسم والمخيلة التي تتصورّ· اعدام لرسام· قليلة هي المرات
التي تمّ فيها اعدام فنان حتى في اعتى الديكتاتوريات·
اعدمت لوحات واعدمت كتب وأعدمت بطبيعة الحال مسرحيات لكن
الفنانين والكتاب والمسرحيين غالباً ما عزلوا وكفّت ايديهم
وصودرت أعمالهم او حجزت في جواريرهم· اما القتل فلا، اذ ان
قتل فنان اشبه بقتل عصفور· انه قتل للموسيقى الضعيفة التي
لا تهدد احداً· يروى ان هاتف باسترناك الشاعر الروسي حائز
نوبل رنّ ذات يوم فوجد ستالين على الخط سأله ستالين عما
اذا كان يعتبر مندلشتايم الشاعر الروسي الذي كان آنذاك
معتقلاً شاعراً كبيراً، فبدأ باسترناك يحدث ستالين عن
حريات الفنانين وحاجة الكتاب الى مزيد من الهواء· قاطعه
ستالين بالسؤال ثانية عما اذا كان مندلشتايم شاعراً كبيراً
ومرة ثانية نقل باسترناك الحديث الى الزاوية التي ظن انها
الأهم· في النهاية ختم ستالين المحادثة قائلاً لو كنت
مهتماً حقاً بمصير مندلشتايم لكان لك جواب آخر· لا نعرف
اذا كانت هذه المحادثة حقيقية ام انها مجرد حكاية لكنها
تدل على ان طاغية كستالين يجعل من اعدام شاعر كبير موضع
سؤال باسترناك لأنه لا يطيق ان يحمل في عنقه ثقل ذنب كهذا،
هو الذي اعدم مئات الآلاف من دون ذنب وأجلى شعوباً بكاملها
وطرد ملايين الى سيبيريا· قتل شاعر كبير يدمغ تاريخ طاغية
أكثر مما تدمغه جرائم بمئات الآلاف وبالملايين لا لأن
الفنان أثمن وأهم بل لأن قتل الشاعر والفنان مجاني وجنوني
وبلا سبب·
هناك دائماً طريقة لتجنب قتل فنان· وهناك دائماً وسيلة
لإسكات فنان من دون قتله· اختفى مندلشتايم في المعتقل ولم
يظهر له اثر ولا نعرف له قبراً· كان ضحية بيتي شعر قالهما
في لحظة سكر متهكماً على الطاغية· واذا صحت الحادثة فإن
باسترناك عن سهو او قصد لم يعجل الى انقاذه واستحق ما قاله
له ستالين: لو كنت صديقاً لمندلشتايم لكان لك جواب آخر·
لم يسأل الطاغية الذي ارسل قاتل ناجي عما اذا كان ناجي
رساماً كبيراً فالعلي ليس مغموراً ولا نكرة· انه اشهر فنان
فلسطيني وهو من كبار رسامي الكاريكاتور ثم انه من الفنانين
النادرين الذين يتاح لهم ان يغروا ضمير شعب وان تتكلم
اعمالهم بلسان شعب· فلأمرٍ ما كانت كاريكاتورات ناجي العلي
مطابقة لوجدان عام ولأمر ما بدت هذه الكاريكاتورات اكثر من
رسوم وافكار·
لا شك ان من ارسل قاتل ناجي العلي كان على درجة من الغلظة
والجهل وفساد الذوق بحيث اجاز لنفسه ان يعدم فناناً في وزن
العلي واسمه· لا شك انه على درجة من قلة التدبر بحيث رضي
لنفسه ان يقتل ريشة· ولم يعلم ان دمغة كهذه لن تزول وقد
ينسى له الناس اخطاء كثيرة لكن ذبح ريشة امر لا يغتفر·
دعوة الكاريكاتور
بقي ناجي العلي طوال حياته في حيرة من أمره ومما ولد له
فالصبي الذي بدأ حياته في بساتين الليمون لم يصدق انه ولد
ليكون فنانا الا حين افحمته يده وموهبته· بالطبع لم يختر
ناجي العلي ان يكون رسام كاريكاتور بل لم يكن في طبع الشاب
الذي كأنه ما يلائم رسام كاريكاتور· لم يكن صاحب نكتة ولا
مرحاً ولا متفنناً لبقا مفوها· كان اقرب الى التجهم صارماً،
مباشراً، صاحب كلام واحد ونبرة واحدة صريحاً لأنه لا يعرف
للكلام سوى وجه وحيد، ولهذا لم يكن متفنناً ولا مفوها بل
صاحب كلام عار حاف ليس فيه سوى الحقيقة الجارحة· كان ايضاً
اميناً للهجةٍ فلسطينية عتيقة لم تتلون بالحياة في لبنان·
لهجة خشنة رتيبة· والحقيقة ان ميزة ناجي العلي الأولى انه
ما كان يخفض صوته لأحد ولا يدور كلامه او يراعي· الارجح
انه بالكلمات نفسه اعتاد ان يكلم الزعيم والخادم بالكلمات
نفسها والصيغ نفسها ربما لأن هذا هو قاموسه· ربما لأن
البراءة تعبّر عن نفسها بهذه الأحادية وذلك الفقر اللغوي،
ربما لأن الحقيقة لا تحتاج الى فن او تفنن· الأرجح ان هذه
الحدية كانت احياناً حدية فكر، فناجي ظل صاحب فكر واحد
وقصد واحد، ما كان يسعه ان يدرك ان الفكر لعبة وتأليف وفن·
لقد ولد بكلمة واحدة وفكرة واحدة وما كان بوسعه ان يرى
سواهما، الحقيقة دائماً في المتناول بالنسبة لناجي· دائماً
مرئية وواضحة وشائعة، ربما لهذا لم يكن ناجي في يوم صاحب
سياسة· كانت السياسة عالمه بالتأكيد لكنه يتيم في هذا
العالم يتيم وبريء ويدير دائماً ظهره ويخفي دائماً وجهه
كصبيه حنظلة· والغريب ان حنظلة هذا رغم غياب ملامحه يحمل
لائحة من ناجي من الخلف اثناء مشيه وطالما رسم ناجي نفسه
من الخلف وهو يمشي مغرقاً رأسه بين كتفيه· قبل ان يتوجه
الى الكاريكاتور لم يصل ناجي الى الكاريكاتور فوراً فقد
وجد نفسه رساماً ومعلم رسم في البداية تطلع الى ان يكون
رساماً، ولا نعرف من ذا الذي جاء بناجي الى الكاريكاتور
الا ان ناجي ظل يعتبر ان الكاريكاتور كان قدراً له لم يسع
اليه· لم تكن هذه رغبته وظلت في نفسه حسرة من انه لم يكمل
طريقه الفني· كان يرسم كثيراً بل كان الرسم حياته الفعلية
لكنه ظل يشعر ان الكاريكاتور دعوة اكثر منه فناً· كان
جندياً في الكاريكاتور واعتبر عمله شبيهاً بالتطوع· لم يكن
الوقت ملائماً للرغبات لذا قبل ان يخدم كرسام كاريكاتور·
طالما قال ان منيته ان يعود الى الرسم العادي· لا اعرف
بالطبع اذا بقي حقاً متحرقاً لهذه العودة لكني اعرف ناجي
لم يكن صاحب قولين، وان ما جناه من الكاريكاتور كان مهما
له، وناجي ليس من تعزه الشهرة فقد بقي في داخله ودائماً
شيء من الصبي الفلسطيني شغيل الليمون، كانت هذه حقيقته وما
كان الصيت والمال لينسياه مهانات وعذابات شكلت في الداخل
ذاته ووجدانه·
الذي أخذ ناجي الى الكاريكاتور ليس سوى القهر بالتأكيد
والغضب والاحتجاج لم يكن يرسم ليمرح ويعلّق ويضحك·
بالتأكيد لا· كان يرسم الدراما الداخلية التي شكلت عالمه·
دراما القهر والمهانة التي دمغت حياة اللاجئ الذي كان·
دراما العذاب الذي كان كل وجوه فقرائه وبؤسائه· دراما
العنجهية والبطر والتعالي في اشكال ووجوه الظالمين· هذه هي
رسمة ناجي العلي المتكررة، نفس الحكاية الثنائية الظالم
والمظلوم، البائس والطاغية، نفس الوجوه: المسحوق والبطر
والصبي الذي يدير ظهره· وجوه بلا أسماء ولا صفات· انها
انماط فحسب درس سمته التكرار دراما عاطفية امثولة كل يوم،
ربما لهذا اخذ رسم ناجي العلي طريقه الى الناس أنه تعليمي
بامتياز، تكراري، تحريضي، بسيط· كاريكاتور قاتم اسود
بالتأكيد وليست هذه بالضرورة سمة الكاريكاتور فليس في وسع
متفرج ناجي ان يغتصب ضحكة· الجو الأسود الكئيب الملودرامي
يطغى عليه ويملؤه بالشجن والقهر والاحتجاج·
ربما يتراءى لنا احياناً ان هذا الرسم جزء من ثقافة
شعاراتية وان ما يجذب في هذا الكاريكاتور بساطة وعمومية
الشعار لكن من ير ناجي عن كثب يشعر انه هكذا يظلمه حقاً·
ولا ينظر ملياً الى اعماله·
الفكرة والصورة
تأتى لي ان انظر في رسوم ناجي، في كاتالوغاته فبدا لي ان
ثمة قطباً آخر في هذه الرسوم قطباً آخر مضاداً ومتطرفاً هو
الآخر مقابل بساطة الفكرة والثنائية والشعار هناك سحر
المخيلة أقول سحر المخيلة وانا اعني ما اقول· سحر لأن ناجي
يضع مقابل بساطة فكرته قدرته الهائلة على التقاط المفارقات·
المفارقات الذكية اللماحة التي تجعل للفكرة البسيطة لأول
وهلة مجازاً أخاذاً· تجعل الفكرة البسيطة ذات مخيلة
عجائبية سيريالية· طالما ذكرني ناجي العلي بما غريت
السيريالي البلجيكي وانا شبه متأكد ان هذا اللقاء من
المصادفات وان ناجي لم يعرف ماغريت ولا السيرياليين· ما
جعله هكذا مخيلة متوترة مروسة خصبة وحبلى· مخيلة عامرة
بالصور قادرة على اجتراحها· بين بساطة الفكرة وثراء الصورة
يتردد فن ناجي العلي· بين التحريض والسياحة البصرية ما لا
تقوله الفكرة تقوله الصورة في فن ناجي العلي ما يبدو
تعيلمياً تحريضياً في الفكرة يبدو، من دون شك، ساخرا
متهكماً لاعباً غريباً في الصورة· في الصورة فعلاً هذه
الخصوصية والابتكار والفرادة والشخصية التي لا نجدها تماماً
في الفكرة· يرسم ناجي العلي افواها اتصلت فيما بينها فيما
يشبه السحّاب ليقول انها افواه محكومة بالصمت· لكن الصورة
ابعد من ذلك بكثير· الأفواه المنتظمة فيما يشبه السحاب ذات
مرام تتجاوز الفكرة· للصورة اذا جاز التعبير فكرتها الخاصة
ولغتها التي لا نجدها في الفكرة الأساس· في الفكرة البسيطة
المبسطة التي هي عنوان الرسم· اما تلك الرقط السابحة على
الماء فتروي قصة أخرى بالتأكيد· ما تقوله الصورة فن يبقى
ولا يزال يستعاد لأنه قادر على ان ينهض بمعانٍ كثيرة وعلى
ان يجدد كل يوم كلمته· اذا كان ناجي صاحب قول واحد فإن فنه
صاحب اقوال·
عباس بيضون
صحيفة الاتحاد
الإماراتية
|