من يسند الروح
لسماء الليل
نجوم وقمر يبدد وحشة السواد، وبشاعة العتمة
ولامتداد الصحراء وعميق أسرارها وتفرعات دروبها رهبة
متاهاتها بوصلات
تحدد المواقع وتكشف الاتجاهات ، وتهدي من أضله السراب.
وللبحر العميق شاسع الامتداد، خطير
الأمواج ومتقلّبها سفن وأشرعة
وبوصلات ورادارات تنجي من عواصف الموج المتقلبة ، ورياح
العصف المزمجرة العاتية .
وللأمم والشعوب بوصلاتها ومناراتها
عندما تدلهمّ الأخطار وتثور العواصف
الزوابع ، وينتشر في الأجواء الضباب الذي يحجب الرؤية ، أو
الغبار الذي يعمي الأنظار والأبصار.هكذا هم الشهداء، المفكرون
، القادة ، المناضلون الذين تحولهم تضحياتهم ، ورياداتهم ،
وعميق تفكيرهم ، وناضج اجتهاداتهم ، وشجاعة
مبادراتهم ومواقفهم ، إلى نجوم وأقمار
وبوصلات توضع في صندوق أمانات الأمة ، وفي الضمائر والأفئدة
والعقول .
وعندما يلوح سواد الليل ووحشة الصحراء
وعصف أنواء البحر فان الأمة الواعيةَ
دروسَ التاريخ ، تعود إلى
رصيدها،إلى صندوق أمانتها
المملوء بذخيرة الخبرات والأمثولات
، كي تستوحي منه وتضيف إليه ، وتأخذ
منه الحي والباقي والمستمر، والمستجيب لمتطلبات الظروف
والأحداث .
انهم سنادات الأرواح ، ونسغ التواصل
للسير على طريق البذل والعطاء، وتسجيل أمثولات حب الناس ، وحب
الحياة الحرة الكريمة التي يسودها العدل والمساواة .
ولولا مواجهة بعض الأفراد للأخطار
وتضحياتهم ودخولهم في معمعة الصراع ، ومواجهتهم غيلان الظلم
والخرافات والجهل والاستغلال ، لما وهبت الحياة الحرة الكريمة
للملايين من بعدهم .
إن موتهم هو جسر الحياة للأجيال . إنهم
حبوب القمح التي إن وقعت في أرض خصبة ، فإنها تنبت ملايين
السنابل .
سنادات للأرواح عندما تكسر الأمواج
الأشرعة ، وتطفئ الأسرجة . سنادات للأرواح عندما تضيع الطرق في
الصحراء وتثور فيها زوابع الرمال وعصف الهبوب ، سنادات للأرواح
عندما تشحب النجوم ، ويبهت القمر.
سنادات للأرواح حين يضيع
الأثر، وتتوزع الناس وتتناهبها
الرياح والطرق والاتجاهات . سنادات للأرواح في وجه «النداهات »
وطنين البهرجات والزّفات الكذابة .
سنادات للأرواح كي لا تقع في الكمائن المنصوبة ، والفخاخ
الموزعة في كل طريق .
سنّادات
للأرواح كي تفكّ الألسنة
خرسها، والآذان طرشها، والأيدي حركتها ونشاطها وشللها .
سنّادات
للأرواح في وجه الانشغالات ، وانثيالات غبار النسيان وفي وجه
الاكتئاب والانسحاب والهجرة إلى الخارج أو إلى الداخل
وبما أن ذكرى استشهاد ناجي العلي أصبحت
كالوشم في الذاكرات الحية ، فإن لوعة فقدانه لا تنسينا دوره
و ريادته وعمق سخريته ، وثاقب نظرته .
وما زال حنظلة
سنّادة لأرواحنا ، وما زالت حجارة أرضنا ، وصبية الأزقة
و الحواري يقيمون للأرواح وللإرادات
سنادات كي تستقيم ، علّها تبرأ من
أمراضها وأوهامها وعجزها وسباتها العميق !