|
ناجي العلي .. شاهد
وشهيد
شاهد وشهيدا.. مغترب
وغريبا .. مؤلم ومتألماً .. لكنه أولا واخيرا رجل رافضاً دون
ان يكون مرفوضا ، الا من قبل اولئك الذين اعتادوا امساك العصى
من منتصفها والرقص على حبال الاستسلام في عناوين المختلفة .
رحل ناجي العلي
شاهدا على ما حدث وما كان يحدث وما سيحدث .. ورحل شهيداً في
سبيل الكلام الذي ينبغي ان يقال في زمن لايقال فيه ما ينبغي ان
يقال .
رحل ناجي العلي
مغتربا عن قرية الشجرة في فلسطين التي ولدت محنته الاولى على
ارضها وعن مخيم عين الحلوة في لبنان حيث الجدران الاولى التي
استقبلت اول رسوماته اللاعنة وخربشاته الرافضة للتدجين وعن
الكويت .. حيث تفتح وعيه السياسي وصدح عالياً في ظلام صحافتها
الحرة .
ورحل ناجي العلي غريباً .. هناك في الارض
البعيدة .. في ضباب لندن الرمادي وهو الذي استثمر حياته كلها
حربا على حيادية ذلك اللون الرمادي البارد وانتصارا لوضوح
التناقض الخالد بين لونين هما الاسود والابيض .. لوني ناجي
العلي في رسوماته الكاريكاتيرية وخياراته ايضاً في حياة لاتعرف
المنطقة الوسط ولا الحلول الوسط ولا الالوان الوسط .. ولا
الاراء الوسط .. تعرف الابيض وتعرف الاسود .. فأي خلود يتأرجح
بين لونا احدهما بداية الالوان قبل تفرعها الاول ، وآخرهما
نهاية الالوان كلها ..
تفاصيل الحكي ملامح
الحكاية …
هكذا اذن ..
بمناسبة الاحداث
الجديدة .. الاحداث التي تتجدد كل يوم وكل ليلة في ارض فلسطين
نجد انفسنا نتنفس في دفاترنا القديمة في مقالاتنا القديمة عما
يصلح ان يكون استعراضاً لما يحدث في الزمن الجديد.. حيث نجد
الكثير الذي لايقول شيئا سوى انه يعيد تفاصيل الحكي وملامح
الحكاية ..
هكذا اذن نعيد
الكلام القديم ، ولا تغير سوى بعض الرتوش القليل ليصير الكلام
جديدا للخريطة الجديدة .. بالعنوان ذاته نعيده ،، وبتفاصيله
بحرفية ايضا ن حيث حتمية الضرورات واستحالة النهايات ، وحيث
ناجي العلي شاهد وشهيد لنقول ان مشروع ناجي العلي يتمدد بين
لونين هما الابيض والاسود ، يتمدد باتساع ولا حدود له ، ليس
عبر رسوماته الكاركاتيرية التي صارت نموذجاً توثيقيا خارقا
للعادة في مراحل تطور القضية الفلسطينية وحسب ، وانما ايضا عبر
شخصيته المتفردة على الصعيد الفني وكذلك الانساني والتي صارت
بدورها نموذجا من الصعب تعميمه ..
رغم عموميته
الواقعية الشديدة والتي تمثل صورة متوقعة للعربي القابع في
نقطة لا نهائية فاصلة ما بين الامل المفتوح على افاق التحقق
الحتمي من جهة والضرورة المستحيلة في ظل رهانات الواقع الصعب
اجتياز مقدراته من جهة اخرى .
وناجي العلي الذي
تمر الان ذكرى استشهاده غريبا في صقيع لندن الذي ضاعفت وطائة
على جسد وروح ناجي العلي غربة اضافية لم تكن ضرورية ابدا .
راوح بين الوقوف على
هذه النقطة الفاصلة وبين اجتيازها الى افاق مجهولة تماما ،
ملتفتا هنا تارة وهناك تارة اخرى بذكاء نظري متوقد وشديد
الحساسية والشفافية ومن دون ان يجد من هو اكثر منه بصفته
نموذجا ، ايمانا بالطريق الاوحد الذي ينتهي بفلسطين عبر فوهة
بنقدية تندفع طلقاتها في خط مستقيم لايمر . لانه لا ينبغي له
ان يمر بين دهاليز السياسة الملتوية وموائد مفاوضاتها
وابتسامات رجالها امام عدسات المصورين .
بين لونين فقط
هل لتصاريف الزمان
المبكر دور في رسم تلك القناعات الساخرة والساخطة العصية
والجميلة في الوقت نفسه على اوراق ناجي العلي
هل لتضاريس المكان
المتسع على امتداد وطن عربي يزدهي بجغرافية تمتد من المحيط الى
الخليج ذات الدور الخطير في وضع تلك الخطوط ذات اللونين الابيض
والاسود لتضيع مهابة اصحاب الصور الانيقة على صدر الصفحات
الاولى للصحف في بحار من الحبر الاسود وفضاءات من الورق الابيض
وشلالات هائلة التدفق من طاقات ناجي العلي الكاريكاتيرية
اللامحدودة .
هل كان ناجي العلي
يقرا التاريخ ام يستقرئ الجغرافيا ام انه يستشرف المستقبل ؟
لقد كانت التضاريس
العربية في نهاية ستينات هذا القرن تلملم جراح المعارك
الميدانية وتعيد تقسيم ما تبقى على من تبقى .. وهم كثر .
عندما قدم ناجي
العلي (عبر الصحافة الكويتية كصيغة معقولة لصحافة عربية تحتمل
– بكسر الميم – وتحتمل – بفتحها – آنذاك ) حنظلة . طفلة الصغير
البارع في القراءة والمتابعة والملاحظة بشعره الشائك كقرون
استشعار أو هوائيات ارسال واستقبال الى ومن الفضاء المفتوح
وبيديه المعقوقتين خلف ظهره بما يشبه السلبية المفترضة ،
وبوجهه الذي يتجه به الى حيث نتجه فكان يوحد رؤيته للاشياء
والناس والاحداث مع رؤيتنا لها ، أو كأنه يقلب لنا ظهر المحن
رفضاً واحتجاجاً على ما لا نقوم به او كأنه منشغل عنا بما هو
اهم من الرصد والتعليق .
حنظلة .. الذي لا يكبر .
رسم ناجي العلي
حنظلة وقال انه ولد في العاشرة من عمره وسيظل دائماً في
العاشرة ،، ففي تلك السن غادرت الوطن ، وحين يعود حنظلة سيكون
.. بعد .. في العاشرة .. ثم يأخذ في الكبر بعد ذلك .. قوانين
الطبيعة المعروفة لا تنطبق عليه ،، انه استثناء ، وستصبح
الامور طبيعية حين يعود الوطن ( .. )
فالطفل يمثل موقفاً
رمزيا ليس بالنسبة لي فقط بل بالنسبة لحالة جماعية تعيش مثلي
واعيش مثلها .
قدمته للقراء
واسميته حنظلة كرمز للمرارة في البداية قدمته كطفل فلسطيني ،
لكنه مع تطور وعيه اصبح له افق قومي ثم افق كوني انساني .
اما حنظلة فقد ولد
ليجد نفسه يجوس بين ظلال دراماتيكية بائسة هى تلك التي بقيت من
مرحلة احلام جماعية طرزت ليالي العرب في الستينات بفتوحات لابد
انها قادمة ولو كره الكارهون .
كان حنظلة يعلم ان
اهل السياسة ادرى بشعاب السياسة والى اين تؤدي ولم يكن هو
يستسيغ اللعبة ، ولكن من الذي لم يكن سياسياً آنذاك .
احلام
المرحلة .
على ان الزمان يدور
، وعندما جاءت اجيال السبعينات العربية الجديدة وجدت نفسها
محاطة كما توقع حنظلة بثروات هائلة من الخطوط المسبقة والاماني
العريضة والكلام الكبير الذي يضج بالتبشير في صورة بديعة
وملونة لانتصارات عربية لم تؤد الى شئ!ّ
وكنا على وشك ان
نصدق احلام المرحلة التي ظلت تشكل مناخات العقود السابقة من
القرن العربي المضطرب ليس ابتداء بسايكس بيكو وليس انتهاء
بكامب ديفيد ..
كنا على وشك ان نصدق
ان في العمر بقية من احلام الابيض والاسود .. تماماً مثل هذا
الشيئ الساحر الذي تدلقه علينا شاشات السينما مع كل اطلالة
لكمال الشناوي وشادية .
لكن الذي حدث هو ان
موائد المفاوضات ومنصات الصلح المنفرد قد اتسعت حتى صارت لا
تتسع لها سوى حدائق كامب ديفيد والبيت الابيض و – بعد سنوات –
فنادق اوسلو وكوبنهاغن وحقول الواي بلانتيشن .
واختفى وجه كمال
الشناوي ووجه شادية وغيرهما كأبطال للابيض والاسود في ايحائهم
الرومانسي الذي كان معادلاً موضوعيا لشراسة الابيض والاسود لدى
ناجي العلي مثلاً غير مقصود في ذاته
اما الوجوه التي بقيت تتمرجح بين حدود اللونين
المغرقة في دلالاتها حيث الحزن والفرح ، وحيث الحداد والموت ..
وتختلط فيها المعاني والاشكال في بوتقة واحدة ، فاجاد نناجي
العلي صهرها جيداً من اجل قضية واحدة وان تعددت فيها مصائر
الناس والانظمة .
يرسم ليصل فلسطين
والغريب ان ناجي
العلي المشغول بقضيته عما سواها صار انشغالا دائما لذات القضية
وكما استطاع تحويل هذه القضية الى رمز فني تسيد عقدين كاملين
حيث سبعينات التوتر وثمانينات التطرف وتحولات الصيغ والتحالفات
واستطاعت القضية ان تخلقه رمزها الخالد .
يقول ناجي : ارسم
لأصل فلسطين ويقول عن حنظلة ، هذا المخلوق الذي ابتدعته لن
ينتهي من بعدي بالتأكيد ، وربما لا ابالغ اذا قلت انني استمر
به بعد موتي …
وابدا لم يكن ناجي
العلي يبالغ ،، واذا كان ما نراه الان من بطولات ونضالات تتأجج
حول الاقصى وتتسع عبر الفضائيات التلفزيونية يحقق الجزء الاول
من النبوءة .. فان في رسومات العلي الخالدة ما يحقق الجزء
الاخر منها .
لقد رحل الشهيد ،
وبقيت شهادته خالدة في هذه الرسومات الحنظلية تتحدى سفالات
شارون بأسمائه المختلفة – وتحيا بين نضالات اطفال الحجارة
وتنقضض من بين انقاض البيوت المهدمة والاغتيالات المدروسة .
رحل الشهيد وبقيت
الشهادة .. دليلاً نحو فلسطين .. فلسطين ..
إبراهيم
رجب
|