|
الـــــرائي!.
-1
توقيعه، كان
صليباً تطوّقه دائرة...
حلماً يحاصره
المستحيل!.
فقد كان الصلب
الاحتجاجي هاجساً ومشروعاً للفتى الذي تعلّم الرسم حين شرع في
رسم سجّانه. وقد ظل فيما بعد يرسم... ويرى جسده معلقاً على
الصليب!.
قال:
حلمت طويلاً في
أن أذهب إلى الأمم المتحدة حاملاً صليبي على كتفي... وهناك،
أمام المبنى الكبير، أزرع الصليب في الأرض وأعلق جسدي عليه
احتجاجاً على الموقف الدولي من قضية فلسطين...
كان الفتى يحلم،
ويؤوب من حلمه خائباً... فيرسم.
وأسأله بين الجد
والهزل عمّا حال دون تحقيق الحلم؟!.
فيجيب دون أن
ألحظ على شفتيه طيف ابتسامة:
- الحقيقة أنني
قد فكرت بمعضلة كبيرة سوف تواجهني، فبعد أن أدق المسمار في كفي
اليسرى... كيف سأضع المسمار في اليد اليمنى؟!.
الآن، وأمام
عشرات الآلاف من الصلبان المحاصرة بالدوائر التي باتت توقيعاً
لرسوماته إلى جانب حنظلة الشقي، نقول:
شكراً لتلك
المعضلة التي حمت لنا طويلا يد ناجي العلي من مسمار الصليب!.
-2
كانت بيروت تعصف
بالسرقات اليومية للسيارات، وكان في تلك الليلة ممتلئاً بهاجس
سرقة سيارته. استأذن مرتين ليطل على سيارته التي وضعها في
شارع مدام كوري قريباً من بيتي، وكان في كل مرّة يعود مبتسماً
وهو يردد:
- لم تسرق... لم
تسرق بعد!.
في الصباح لم
أجده. كان قد غادر فراشه مبكراً. لم يكن بيتي واسعاً ليضيع
فيه، غير أنه لم يتركني طويلاً نهباً للأسئلة، إذ عاد بعد قليل
منتشياً، فرؤيته خابت هذه المرّة أيضاً:
- لم تسرق كما
حدّثني قلبي!.
ثم يقرر:
- سوف أسافر بها
اليوم إلى دمشق.
ودعناه، فدمشق
الآمنة سوف تريحه بضعة أيام من هواجس القصف العشوائي وسرقات
السيارات!.
وهناك، في دمشق،
ينتزع ناجي العلي الجائزة الأولى في معرض الكاريكاتير العربي
الذي غادرنا للمشاركة فيه..
إلاّ أنه عاد
منها بعد أيام... بسيارة أجرة!.
وعندما التقيته،
مصادفة، وكان يسير ببطء صاعداً في الطريق الواصل بين شارع
الحمراء وجريدة ( السفير )، قال: بلهجة المتنصر لصدقية رؤياه:
- ألم أقل لكم
أنها سوف تسرق؟!.
غير أن ما كان
يغيظه، هو ان رؤاه، لم تقل له أنها سوف تسرق... في دمشق!!.
-3
لم يكن في صوت
عدلي فخري في تلك الليلة ما يبعث على الضيق...
كان صوته دافئاً
وحنوناً، وفي بحّته حنين أسيان يغني لمصر وفلسطين. فما الذي
جعل ناجي العلي يتضايق، فيفسد علينا رنّة العود؟!.
انتفض ناجي
فجأة... وهبّ واقفاً، فاقتحم الأغنية وبددها...
أخذ يشير نحو
الجالس إلى جانبه ويصيح بغضب:
- انظروا... مثقف
وكاتب قصّة ومحرر في مجلة وطنية... ويأتي ليستمع إلى عدلي فخري
وهو يضع مسدساً على قفاه!.
لم يكن في
المسألة ما يستدعي هذا القدر من غضب ناجي، في مدينة تدجج أهلها
كلّهم بأسلحة بات فيها المسدّس هو الأكثر تواضعاً، وفي ترسانة
هائلة من البارود والكحول التي ضجّت بها الشوارع. فما الذي
يضايقك يا ناجي من قاص دعته النشوة الكاذبة ليحمل مسدساً على
جانبه؟.
لم يكن البعث على
الضيق مجرّد مسدس يدّعي بطولة واهمة... وإنما فضيحة المثقف
الذي يكتب ويحمل السلاح ويستمع إلى الأغاني الثورية، فقط ليغطي
عمله الأساسي... في المضاربات المالية، وهي واحدة من الظواهر
التي كان ناجي عاجزاً على السكوت عنها.
ها هو المثقف
يضع يده ويتحسس مسدّسه، لكنه يتراجع أمام صيحاتنا واحتجاجاتنا
وانسحاب عدلي فخري.
مهما يكن، فشكراً
لعقلانية اللحظة الأخيرة التي حطت على مثقفنا فجأة، وانصياعه
للقبول بنهاية قصصية تفتقر إلى الدراماتيكية.
شكراً له، فقد
أجّل رحيل ناجي سبع سنوات... منذ تلك الليلة، التي سكتت فيها
رنّات العود، احتجاجاً على وجود خاطئ يخدش موسيقى الحياة،
وأصابع تحسست مسدسها... في حضرة ناجي العلي... الرائي الذي
أضاعته، فيما بعد، خطوطه المشاكسة... ورؤاه الشقية!.
عن مجلة "الهدف" |