|
حنظلة .. الشاهد والشهيد
* في البدء:
ناجي العلي لقد نجوت بقدرة
من عارنا ، وعلوت للعلياء
إصعد؛ فموطنك السماء وخلنا
في الأرض إن الأرض للجبناء
(أحمد مطر)
****
أستيقظ هذا الصباح ولايزال حنظلة واقفا مخبئا
وجهه البائس كوجه صاحبه بثيابه الرثة وقدميه الحافيتين ،
عاقدا يديه خلف ظهره ممسكا بشئ ما قد يكون حجرا رماه ـ ذات
لوحة ـ في رسمة غاضبة ويائسة من رسومات صديقه الحميم ناجي
العلي الكريكاتيرية أشاهده مرة اخرى منبطحا ممسكا بخيط عالق في
السماء، انه (الصباح الفاجع) كما قال عنه محمود درويش، كنت
على وشك الذهاب الى سينما النجوم حيث يفترض عرض فيلم (ناجي
العلي) للمخرج عاطف الطيب والذي يقوم الفنان نور الشريف بتجسيد
دوره (هناك فيلم بنفس العنوان للمخرج العراقي قاسم عبيد
المقيم في بريطانيا حاول من خلاله محاكمة القتلة)، كنت شغوفة
بهذا الرسام الذي حرك القضية الفلسطينية من على سن قلمه، وكان
الفيلم بالنسبة لي المنفذ الذي أستطيع من خلاله الإطلاع على
هذه الشخصية العبقرية، ولكن شاءت الظروف ألا يعرض خلال مهرجان
مسقط السينمائي الثاني.
ناجي العلي مناضل من الطراز الرفيع ، سلاحه
السخرية والنقد اللاذع حتى ضج به أصدقاؤه وخصومه على حد سواء،
ورغم ذلك ظل ممسكا بالفرشاة حتى لحظاته الأخيرة، يتحرك في ظلال
رسوماته، يستدعيها من أعماق روحه فتخرج على اللوحة البيضاء
نسيجا توترا من لحم ودم معلنا عن أدواته ومفارقاته.
كان(حنظلة) الصديق الحميم للرسام يتبعه في كل
نضالاته، صامتا لا يكاد ينطق ولكنه كان صمت الإحتجاج المر،
الصمت الصارخ بكل قوته وفي كل شئ من حوله، الرافض لكل
المساومين الذي ظلوا يتكسبون من القضية، بقدميه العاريتين
ويديه المشبوكتين في الغالب خلف ظهره كان يقول كل شئ بصمت يحسد
عليه، إنه رمز الفلسطيني الذي يتفرج على العالم هذا الذي يتفرج
عليه بدوره، تعبر ريشة ناجي العلي عن نفسية رسام كان يحمل
أكفانه بين لوحاته، وكان السواد الصامت في الكاريكاتيرات ينطوي
على يأس يوحي بالتشاؤم بقدر ما يثير من سخرية ورفض لكل انواع
الفساد والبيروقراطية ونقد الخطاب السياسي الانشائي.
ارتبط ناجي العلي بطبقته البسيطة حتى اللحظة
الأخيرة رافضا الاغراءات والعروض الكثيرة للإنحراف عن المسار
الوحيد الذي رأى فيه عودة وطنه السليب.. كان صوتا من لا صوت
لهم، من (أجل هذا قتلوه) كما جاء في كتاب (لأجل هذا قتلوني)
كتاب كامل، لم يستطع المحقق الانجليزي (شارلوك هولمز) الى
الأن حل لغز اغتيال الرسام ناجي العلي عام1987م في شارع (ايف
ستريت) جنوب غرب لندن لذا فضل التواري وراء الضباب تاركا
أصابع الاتهام متراوحة بين (الموساد) و(منظمة التحرير
الفلسطينية).
نعم.. مات صحفيون ومثقفون اغتيالا واعتقالا
مثل: عبدالجبار وهبي، سبارتكوس، شهدي عطية الشافعي، لوركا،
حسين مروة، بابلونيرودا، غسان كنفاني الذي اكتشف ناجي العلي
ونشر رسومه لاول مرة في مجلة الهدف التي يترأسها الروائي
الشهيد، والقائمة تطول وتمتد لان روح المثقف المتمردة كالمياه
لا يمكن حبسها واذا ما حاولوا ذلك فان منابعها سوف تتعدد وقفت
طويلا على لوحات ناجي العلي الكاريكاتيرية التي اتسمت خطوطها
بالحدة والتلقائية في التعبير عن الموضوع الذي يريد معالجته
واختيار عبارات بسيطة وواضحة تدل على انه كان يتمتع بفهم سياسي
عميق لواقع الحال، وكما قال احد النقاد: (ان استخدامه للونين
الابيض والاسود يرجع ربما الى انه لا يرى العالم الا من خلال
التناقضات الكلية بين خير وشر، جمال وقبح، وتضحية وخيانة ،
ويجعل اللون الاسود خلفية شبه دائمة في لوحاته حين تتأزم
الاوضاع السياسية العربية، رغم انه لم يكن فقط مجرد خطوط سوداء
على خلفية او فراغ ابيض كان يمعن في التضليل ورسم ملامح الشخوص
وتأثيراتهم بالشباك والخطوط السوداء، واعتنى ببنائية رسوماته
وتفاصيل ما يرسم وتكامل المساحة)، حيث كان حنظلة ايضا شاهدا
صامتا في اغلب لوحاته بالاضافة الى حنظلة فأن ناجي عبر في
رسوماته عن رمزين متضادين ـ حسب ما قاله النابلسي ـ
:(الفقمازير) وهي تركيبة من الدناءة والخسة، و(الحنفاز) وهي
كلمة تشكلت من اسماء الخيريين الذي احبهم ناجي واحبوه منهم
حنظلة وفاطمة العلي وزينب و(الزلمة والكوفية) ايضا وهي رموز
فلسطينية بحتة، ورغم ان ناجي العلي رحل فان حنظلة المبتكر عام
1969م تحول من شخصية تراقب الى شخصية تقود الفعل وتحرض فصار
رمزا من الرموز الدارجة بعد اغتيال مبتكرها.
قال الشاعر الجميل جدا (سميح القاسم) عن ناجي
العلي: (انه الظاهرة الاكثر سخونة وارباكا في فن الكاريكاتير
العربي على امتداد العقود الخمسة الاخيرة، وانه خرج من دائرة
الانتماء الوطني الى دائرة الانتماء القومي، فالانساني
الكوني)، وقال عنه احد رسامي كاريكاتير مجلة (التايم) : (هذا
الرجل يرسم بالعظم البشري المبري)، ومنحه الاتحاد الدولي
لناشري الصحف جائزة القلم الذهبي كأول عربي ينال هذه الجائزة،
واختارته صحيفة (أساهي) اليابانية كواحد من اشهر عشرة رسامين
في العالم، ولا اعرف لماذا كلما وجد لسانا يعبر عن آلامنا
وظلمنا يجتثونه هكذا، ألأنه يحاول إغراقهم في خزيهم؟ أم لأنه
يحاول تعريتهم وكشف عوراتهم التي ظلوا حريصين على عدم إسقاط
ورقة التوت عنها؟.
ربما .. هو الموت يختار الرائعين دائما.
بدرية
الوهيبي
|