ناجي العلي >> ما كتبوا >> ما كتب في ....          الوطن - لندن   

Google
 
   
 
 
 

 

بعد15 عاما على رحيله:               من لم يضحك ويتأمل رسوم ناجي العلي

         قبل خمسة عشر عاما اخترقت رصاصة غادرة رأسا حافلا بهمومه وقضيته، في شارع لندني اسمه ايفيس ستريت في منطقة تشيلسي. في بطاقته وجد اسم: ناجي العلي، من قرية الشجرة الفلسطينية، القريبة من طبريا في الجليل، ولد عام 1937 وتنقل مع أهله الذين شردتهم عصابات شتيرن إلى الشتات، إلى مخيم عين الحلوة ـ جنوب لبنان، ومنه بقوارب الهجرة بحثا عن العمل والخبز والكرامة والحرية في رحلات العذاب الفلسطينية.

يوم 22 يوليو عام 1987 أصيب ناجي العلي برأسه، فلم تجد الرصاصة محلا لها، وظلت تنهش في غيبوبته خمسة أسابيع ليودع هذا العالم يوم سبت عند صلاة الفجر، مبتسما وتاركا لمن يعرفه ويقرأ رسالته أيقونته التي سماها: حنظلة، الولد الشقي، بساقيه العاريتين وشعره المتناثر وعينيه الجاحظتين. حنظلة صورة معبرة  وتوقيع شخصي، وعلامة مسجلة وإشارة مميزة على اكثر من أربعين ألف عمل فني متكامل يشرح رؤياه وفلسفته وآماله وطموحاته. من رأى رسومه ولم يبتسم؟ ولم يتأمل؟ ولم يتساءل عن هدف ناجي، وعن ضحكة حنظلة؟.

منذ بدايات عمله ورسوماته عرف مصيره، أدرك محنته، من بين ركام أحجار المخيم، واحتياجات العيش القاسية، والعائلة المهاجرة المغلوب على أمرها، نما وعيه وتدربت ريشته. هل صدفة أن يكتشف موهبته المبدع الإنسان غسان كنفاني وينشر أولى رسوماته وهو سجين معه، ويقتلان برصاص إجرامي في شهر واحد وباختلاف الأيادي القاتلة والسنوات؟.

يقول ناجي العلي: بدأت باستخدام رسمي كشكل من أشكال التعبير السياسي حين تم اعتقالي من قبل أفراد المكتب الثاني (المخابرات اللبنانية) في إطار الإجراءات التي اتخذها المكتب لاحتواء الفعاليات السياسية في المخيمات الفلسطينية في الستينيات. رسمت على جدران السجن، وقد شاهد غسان كنفاني بعضا من هذه الرسوم وشجعني على الاستمرار حيث قام بنشر بعض هذه الرسوم.

ولم يكمل دراسته في معهد الفنون بلبنان في أوائل الستينيات بسبب حصوله على عمل في مجلة الطليعة الكويتية. يضيف: لاحقا ذهبت إلى الكويت، حيث هامش الحرية والديمقراطية الموجود هناك مكنني من التقدم. لقد ركزت أعمالي هناك على الأخطار المحدقة بنا كشعب. ومن الكويت عاد إلى بيروت، في أوائل السبعينيات، ليلتحق بهيئة تحرير صحيفة السفير اللبنانية، يقول عنها:  لقد شكل عملي في صحيفة السفير في بيروت عام 1971 الجزء الأهم والأكثر إنتاجا من مسيرتي. هناك واجهت بقلمي كل يوم ما يحيط بي من عنف من قبل عدة جهات وآخرها الغزو الإسرائيلي على لبنان. لم اشعر بالخوف، الفشل أو اليأس، ولم استسلم. واجهت الجيوش برسومي الكاريكاتيرية ولوحات عن الأزهار والأمل والرصاص. اجل، إن الأمل ضروري دائما. عملي في بيروت جعلني مرة أخرى قريبا من اللاجئين في المخيمات والفقراء المسحوقين.

عام 1983 عاد إلى الكويت مرة ثانية خوفا من تهديد قوات الكتائب له بعد أن تعاونت حينها مع قوات الغزو الصهيوني، فعمل في صحيفة القبس ونشر في صحيفة الخليج الإماراتية في نفس الوقت ولم ينته العام الأول من عمله هناك حتى رحل وعائلته إلى لندن مواصلا العمل مع صحيفة القبس بمكتبها اللندني، الذي على عتباته تلقى رصاصة الغدر الجبان.

في هذه الفترة اصبح اسم ناجي العلي معلما مهما في فن رسم الكاريكاتير ومدرسة جديدة في الكاريكاتير العربي السياسي، وكانت رسومه تنشر يوميا في عدد من الجرائد في القاهرة، بيروت، الكويت، تونس، الإمارات، لندن وباريس، في إصدارات مختلفة الاتجاهات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.

لم يلتزم ناجي بحزب سياسي ولم ينتم إلا إلى الكادحين والفقراء والمهمشين المستضعفين على الأرض فكسب حبهم وتقديرهم وحقد أعدائهم وغضب جلاد يهم ودهاقنة استغلالهم وإرهابهم وتجويعهم، فصارت أعماله لسان حال القاع العربي، وصوت الرأي العام العربي الشعبي،  وصرخة الأغلبية الصامتة.

عبر عن هذه اللحظات والسنوات قائلا: حالما أدركت ما يجري ـ كل الفوضى في منطقتنا ـ شعرت بأن عليّ أن افعل شيئا، آن أشارك بأية طريقة. جربت السياسة أولا، الانتساب إلى حزب، الاشتراك في المظاهرات، لكنني لم اكن لاجد نفسي. إن الصرخات الحادة المنبعثة من داخلي كانت بحاجة لوسائل مختلفة للتعبير عنها. بدأت الرسم في الخمسينات على جدران مخيمنا. خلال تلك الفترة، بدأ وعي اللاجئين يتطور باتجاه الفهم السياسي كرد فعل لما يحدث في العالم العربي. شعرت انه من واجبي أن أتكلم بصوت عال لهؤلاء الناس، لشعبي في المخيمات، في مصر، في الجزائر، والناس البسطاء في كل أنحاء المنطقة الذين لا يجدون متنفسا للتعبير عن وجهة نظرهم وتحريضهم. إن وظيفة رسام الكاريكاتير السياسي ـ كما أرى ـ هي إعطاء رؤية جديدة بشكل ما. إن مهمته تبشيرية لانه من الصعب فرض رقابة على رسم الكاريكاتير.

في كل رسومه وضع حنظلة شاهدا عليها وفسر ذلك بان كل من عرفه: تبناه لانه رقيق وصادق وصريح ومرح، انه الأيقونة التي تحميني. كما إن وضعه ليديه خلف ظهره هو رمز لرفض المظاهر السلبية الحالية في المنطقة.

لم يرسم بلا هدف، ولم يترك شاردة أو واردة ولم يضعها نصب المشاهد والقارئ والمهتم والمراقب، أدان غياب حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات والكرامة واستشراء العسف والقمع والاضطهاد والفساد والخنوع والتواطؤ والرياء والرقص على حبال الهوان.

إن رسوم ناجي العلي لقوتها وتعبيريتها لما تزل تؤشر لما نعيشه ونحياه، وكأنه بصر ما نراه وقرأ المحنة العربية الحالية والقادمة.

كل رسم له مشهد وقصة وصرخة ودلالة ومعنى وقوة تحريض ودعوة شهادة ببساطة مدهشة  وإتقان مبدع وبشكل متطور رمزا وواقعا، حالة وكينونة، مادة يومية وعلاقة هامة باقية مع بقاء مصادرها وبواعثها، كل جملة في رسمه تلخيص لحكمة شعبية وحساسية أهلية وصرخة مكبوتة بخطوط قوية تختصر مهمة وقضية وتبعث تكثيفا مبرمجا لإرادة وعزيمة عبر اللوحة الكاريكاتيرية، سواء بالرسم الصامت أو بالمشحون باللون الأسود والتخطيط المجسد، وعبر مسيرة عمره الفني الأكثر من ثلاثين عاما، ظلت رسوماته تتناقل بثقلها وأهميتها بين الأجيال والمدارس وفن الكاريكاتير. وتلك حفاوة دائمة بالفنان الصادق والمخلص لفنه وقضيته وانسانه الحقيقي الذي لا يغيب مهما توجهت ضده من رصاصات غادرة أو خناجر قاتلة أو كاتمات الصوت.

الوطن - لندن

 

 
 
   
   
   
   
   

 

للتواصل

 

إرسل بطاقات كاريكاتير

 

كتب ناجي العلي

 

شخصيات الكاريكاتير

 

معرض الكاريكاتير

 

ناجي العلي

 

مصممة الموقع

 

مواقع كاريكاتير

 

ما عرضوا

 

ما رسموا

 

ما نظموا

 

ما كتبوا

 


Design by   Hanaa Al-Ramli  ©1999 - 2008  www.hanaa.net  . All rights reserved