ناجي العلي >> ما كتبوا >> ما كتبه  سعدية مفرح

Google
 
 
 
 

 ناجي العلي ..شاهدا وشهيدا               "أرسم لأصل فلسطين" 

بين لونين ، هما الأبيض والأسود ، يتمدد مشروع الفنان الشهيد ناجي العلي باتساع لا حدود له ، ليس عبر رسوماته الكاريكاتورية التي صارت نموذجا توثيقيا خارقا للعادة في مراحل تطور القضية الفلسطينية وحسب ، وانما أيضا عبر شخصيته المتفردة على الصعيد الفني وكذلك الانساني والتي صارت بدورها نموذجا من الصعب تعميمه ـ رغم عموميته الواقعية الشديدة والتي تمثل صورة متوقعة للعربي القابع في نقطة لا نهائية فاصلة ما بين الأمل المفتوح على آفاق التحقق الحتمي من جهة ،والضرورة المستحيلة في ظل رهانات الواقع الصعب اجتياز مقدراته من جهة أخرى .
وناجي العلي ،الذي استشهد قبل عدة سنوات غريبا في صقيع لندن الذي ضاعفت وطأته على جسد وروح ناجي العلي غربة أضافية لم تكن ضرورية أبدا ، راوح بين الوقوف على هذه النقطة الفاصلة وبين اجتيازها إلى آفاق مجهولة تماما ، ملتفتا هنا تارة وهناك تارة أخرى بذكاء فطري متوقد وشديد الحساسية والشفافية ،ودون أن يجد من هو أكثر منه ـبصفته نموذجا ـ   إيمانا بالطريق الأوحد الوحيد الذي ينتهي بفلسطين عبر فوهة بندقية تندفع طلقاتها في خط مستقيم لا يمر ـ لأنه لا ينبغي له ان يمرـ بين دهاليز السياسة الملتوية وموائد مفاوضاتها وابتسامات رجالها أمام عدسات المصورين !!

هل لتصاريف الزمان المبكر دور في رسم تلك القناعات الساخرة الساخطة العفية و……الجميلة في نفس الوقت على أوراق ناجي العلي ؟!
هل لتضاريس المكان المتسع على امتداد وطن عربي يزدهي بجغرافية تمتد من المحيط إلى الخليج ذات الدور الخطير في وضع تلك الخوط ذات اللونين الأبيض والأسود لتضيع مهابة أصحاب الصور الأنيقة على صدر الصفحات الأولى للصحف في بحار من الحبر الأسود وفضاءات من الورق الأبيض وشلالات هائلة التدفق من طاقات ناجي العلي الكاريكاتورية اللامحدودة ؟!!
هل كان ناجي العلي يقرأ التاريخ أم يستقرئ الجغرافيا أم إنه يستشرف المستقبل ؟!
لقد كانت التضاريس العربية في نهاية ستينيات هذا القرن تلملم جراح المعارك الميدانية وتعيد تقسيم ما تبقى على من تبقى ….وهم كثر ! عندما قدم ناجي العلي ، عبر الصحافة الكويتية كصيغة معقولة لصحافة عربية تحتمِل وتُحتمل آنذاك ، حنظلة …طفله الصغير البارع في القراءة والمتابعة والملاحظة بشعره الشائك كقرون استشعار أو هوائيات ارسال واستقبال إلى ومن الفضاء المفتوح وبيديه المعقوفتين خلف ظهره بما يشبه السلبية المفترضة وبوجهه الذي يتجه به إلى حيث نتجه فكأنه يوحد رؤيته للأشياء والناس والأحداث مع رؤيتنا لها أو كأنه يقلب لنا ظهر المجن رفضا واحتجاجا على ما لا نقوم به أو كأنه منــشغل عنا بما هو أهم من الرصد والتعليق . رسم ناجي العلي حنظلة وقال عنه أنه " ولد في العاشرة من عمره ،وسيظل دائما في العاشرة ، ففي تلك السن غادرت الوطن ،وحين يعود ، حنظلة سيكون ….بعد …في العاشرة ، ثم يأخذ في الكبر بعد ذلك …قوانين الطبيعة المعروفة لا تنطبق عليه ، أنه استثناء ..وستصبح الأمور طبيعية حين يعود الوطن (..) فالطفل يمثل موقفا رمزيا ليس بالنسبة لي فقط بل بالنسبة لحالة جماعية تعيش مثلي وأعيش مثلها . قدمته للقراء وأسميته حنظلة كرمز للمرارة ، في البداية قدمته كطفل فلسطيني ،لكنه مع تطور وعيه ، أصبح له أفق قومي ثم أفق كوني إنساني ….." .
أما حنظلة فقد ولد ليجد نفسه يجوس بين ظلال دراماتيكية بائسة هي تلك التي بقيت من مرحلة أحلام جماعية طرزت ليالي العرب في الستينيات بفتوحات لابد أنها قادمة وإن كره الكارهون .
كان حنظلة يعلم أن أهل السياسة أدرى بشعاب السياسة والى اين تؤدي ،ولم يكن هو يستسيغ اللعبة،ولكن من الذي لم يكن سياسيا آنذاك ؟
وكنا على وشك أن نصدق أحلام المرحلة التي ظلت تشكل مناخات العقود السابقة من القرن العربي المضطرب ليس ابتداء بسايكس بيكو وليس انتهاء بكامب ديفيد ….كنا على وشك أن نصدق أن في العمر بقية من أحلام الأبيض والآسود تماما مثل هذا الشيء الساحر الذي تدلقه علينا شاشات السينما مع كل أطلالة لكمال الشناوي وشادية ……لكن الذي حدث هو أن موائد المفاوضات ومنصات الصلح المنفرد قد اتسعت حتى صارت لا تتسع لها سوى حدائق الكامب ديفيد والبيت الأبيض و ـ بعد سنوات ـ فنادق أوسلو وكوبنهاغن ـ واختفى وجه كمال الشناوي ووجه شادية كأبطال للأبيض والأسود في ايحائهما الرومانسي الذي كان معادلا موضوعيا لشراسة الابيض والأسود لدى ناجي العلي مثلا غير مقصود في ذاته !!
أما الوجوه التي بقيت فقد ظلت تتمرجح بين حدود اللونين المغرقة في دلالاتها حيث الحزن والفرح ،وحيث الحداد والموت تختلط المعاني والأشكال في بوتقة واحدة أجاد العلي صهرها جيدا من أجل قضية واحدة وإن تعددت فيها مصائر الناس والأنظمة .
والغريب أن ناجي العلي المشغول بقضيته عما سواها صار انشغالا دائما لذات القضية ،وكما استطاع تحويل هذه القضية إلى رمز فني تسيد عقدين كاملين حيث سبعنيات التوتر و التناقض وثمانينيات التطرف وتحولات الصيغ والتحالفات ،استطاعت القضية أن تخلقه رمزها الخالد . يقول ناجي عن حنظلة :" هذا المخلوق الذي ابتدعته لن ينتهي من  بعدي بالتأكيد ، وربما لا أبالغ إذا قلت أنني أستمر به بعد موتي .."

وأبدا لم يكن ناجي العلي يبالغ !!.……

ســـــعدية مفرح

جريدة القبس

 

 
 
   
   
   
   
   
     

 

للتواصل

 

إرسل بطاقات كاريكاتير

 

كتب ناجي العلي

 

شخصيات الكاريكاتير

 

معرض الكاريكاتير

 

ناجي العلي

 

مصممة الموقع

 

مواقع كاريكاتير

 

ما عرضوا

 

ما رسموا

 

ما نظموا

 

ما كتبوا

 


 Design by   Hanaa Al-Ramli  ©1999 - 2008  www.hanaa.net  . All rights reserved