|
(صديقي) ناجي
العلي
المكان: لندن
الزمان: 22/7/1987
الموعد مع القدر: الأعمار بيد الله.. وكاتم الصوت
في ذلك
اليوم تقدم مجهول معلوم وبيده مسدس وأطلق النار على رأس (متخفٍ)
فلسطيني اسمه ناجي العلي. وأرداه (حياً)... اذ من النادر
ان يموت فنان ثم يتابع إبداعه من القبر كما يفعل ناجي
العلي منذ 15 عاما.
نتذكّر
كلمة ذلك الصحافي البريطاني الذي كتب بعد حضوره جنازة عبد
الناصر الأسطورية: (بعد عشر سنوات سيحكم هذا الرجل العالم
العربي من قبره فالأبطال الحقيقيون لا يموتون... إنهم
يغيبون فقط...
ولأنني
منحاز له وشهادتي مجروحة، فإنني لا أتقن الحديث عن ناجي من
باب النقد بل من باب الاستغاثة... كان صديقي لئيماً في
ثلاث:
تذويب الملح في قهوة الصباح دخول غرفة نوم الزعيم الانحياز
للفقراء
الملح في القهوة:
كانت رسوم ناجي العلي بمثابة كمية الملح التي يسكبها في
فنجان القهوة الصباحي لحكام 22 دولة عربية فيعكّر مزاجهم
طوال اليوم... فلم يسلم نظام عربي واحد من نقده... ولن
يجيد الحكام تحمل النقد العابر الذي يدخل في باب (فش الخلق)
إلا أنهم ما كانوا يطيقون تحمل النقد التحريضي...
فكاريكاتير العلي كان مشوارا سياسيا يدخل كل البيوت مثل
رغيف الخبز...
في باكورة
إنتاجه في صحيفة الطليعة الكويتية فجّر قضية الفساد في
بلدية الكويت مبكرا عندما رسم صورة لص في قناعه المعروف
وسلسلة المفاتيح في يده ويهمّ بدخول مبنى البلدية... وفي
الصورة الثانية كان خارج البلدية عارياً تماماً وهو يصيح:
سرقوني... سرقوني...
... في
مصر هوجم الفنان نور الشريف كثيرا لأنه مثّل فيلما عن ناجي
العلي وهاجمته صحافة الحكومة بعنف لأنه انتقد أنور السادات...
فنقد الحاكم في بلادنا هو نقد للوطن لأنهما توأمان...
... قال
يوماً للرئيس الفلسطيني: أبا عمار، لدي بوصلة واحدة لا
تخطئ اسمها فلسطين.... لن أرحم من يحيد عنها ابتداء منك...
رسم النظام العربي كله على شكل شخص يضع يده على كتف
إسرائيل قائلا له لقد اغتصبت فلسطين وعليك ان تصحح غلطتك..
وتتزوجها... رسوم ناجي العلي كانت حزينة ونادرا ما تضحك...
م مواطنا
عربيا راكعا على ركبتيه ورافعا يديه الى السماء مع دعاء
ساذج يقول: اللهم احفظ الحكام العرب وطوّل أعمارهم.. وجاء
الجواب من السماء على شكل كلمتين: بلا هَبَل.
دخول غرفة
نوم الزعيم:
تستطيع ان تدخل الى رأس الزعيم.. او تدخل الى ذمته او جيبه
او حسابه البنكي ولكن حذار ان تدخل الى غرفة نومه...
فالحاكم لا يتهاون في فصل الأخلاق المزيفة عن المجاري
البولية... فيوم إطلاق الرصاص على ناجي العلي خرجت إحدى
أهم الصحف البريطانية وعلى صفحتها الأولى كاريكاتير قالت
عنه: هذا هو الكرتون الذي قتل صاحبه...
ل يسأل
كاتبا مغمورا عن كيفية دخوله اتحاد الكتاب الفلسطينيين: هل
تعرف احد قادة المنظمات؟... فأجاب: كلا
هل تعرف رشيدة مهران؟.. فأجاب: كلا
فقال له:
يا أخو الشليتة كيف دخلت اتحاد الكتاب إذن؟... مناضل
فلسطيني سأل رئيس السلطة: أبا عمار... من
قتل ناجي العلي؟ أجاب: لم اقتله... ولكنني لست حزيناً لأنه
قُتل...
رسم كثيراً
عن الشرف الحقيقي الذي هُتك: شرف الوطن الذي استبيح من اجل
نظام عاجز.. فكان الحكام تنبت لهم قرون وأرجلهم مقطوعة
كالزواحف وكروشهم مخازن للكولسترول... ولقد تنهدوا الصعداء
عندما مات.
الانحياز
للفقراء والمضطهدين:
اكثر صفات ناجي العلي لؤما هو انحيازه الكامل لقاع المجتمع
الفلسطيني والعربي ودفاعه الباسل عن الفقراء والمضطهدين في
كل مكان... رسم عن الجياع في أفريقيا وأميركا اللاتينية...
نقد وظيفة البترول الاجهاضية ودوره السلبي في التنمية
الوطنية... فضح التناقض الطبقي الهائل لوطن غني وشعب فقير...
قال عنه الفنان المبدع صلاح جاهين: لقد جاء ناجي العلي
ليعلمنا فن الكاريكاتير بعد ان أصبحنا أساتذة.
لو عرفه
فكتور هوغو لكتب الجزء الثاني من رائعته العالمية: البؤساء...
في كوبا انتخب عضوا في لجنة تحكيم مسابقة عالمية
للكاريكاتير... وعندما لاحظ ان العلم الفلسطيني لم يكن
موجودا هدّد قائلاً:
(سوف أسبح عائداً من هافانا الى صيدا احتجاجاً...
وخلال
دقائق أمر وزير الثقافة الكوبي برفع العلم الفلسطيني فوراً...
في معرض دمشق للكاريكاتير حاز ناجي العلي على الجائزتين
الأولى والثانية.
الجائزة
الأولى كانت تمثل باصا من طابقين... السائق هو هنري كيسنجر
وفي الطابق الأول يركب الموافقون العرب ووجوههم الى الأمام...
إما في الطابق الثاني فيركب المعارضون العرب العاجزون
بالمقلوب والسائق الاميركي، يقود الاثنين في باص واحد.
ما
الجائزة الثانية فكانت لصورة بيضاء ليس عليها أي رسم.
وإنما هناك ملاحظة صغيرة في أسفل الصورة تقول: هذه الصورة
مرسومة بالحبر السري.. أهديت كتاب ناجي العلي الأول لأحد
الإعلاميين البريطانيين فكتب اليّ قائلا: رغم أنني لا اعرف
اللغة العربية إلا أنني استطعت ان افهم 90% من الرسومات...
استفسر عن كاريكاتير لخّص الحرب الأهلية في لبنان.. فقد
رسم جواز السفر اللبناني وكتب تحته:
... الجنسية متعددة القوات... القنابل التي كانت تلقيها
الطائرات (الإسرائيلية) على مخيمات اللاجئين كتب
عليها اشرب كوكا كولا.
مارس ناجي
العلي لؤمه في ثلاث مدارس إعلامية:
الطليعة في الكويت... والسفير في بيروت... والقبس لندن...
لم يتنبأ احد مثلما فعل ناجي العلي بثورة الحجارة وأطفالها...
هذه استغاثة مقابلة. لقد حل الظلام... وكفى استغاثة.
ناجي
العلي... تصبح على خير.
ليس
للسياسة أمان كما نعلم ولا يصدقها ذو عقل راجح. ما تقرره
في الليل يكذبه النهار ومهما يمر فإن أخرتها الكذب ولو طال
حبله، وطالما عجبت من أحزاب تزعم ان الأحداث تؤكد صحة خطها،
أما عجبي فهو ان الأحداث نفسها لا تتكلم صدقا، او أنها
تحوك كل يوم كذبة أخرى. عجبي ان الأحداث تكذب بعضها بعضا
وأنها لا تسلم بنفسها حتى تكتب السلامة لغيرها.
مضت عشرون
على مقتل ناجي العلي. هل بقي مقتله في لندن حدثا أم ان
للأحداث عمرا مقدورا تختفي بعده وتزول. أنستطيع اليوم ان
نسأل مجددا من قتل ناجي العلي أم ان القتيل والقاتل معا
غابا عن السمع والظن وما عادا سؤالا. هل تكفي عشرون عاما
ليتم الحدث دورته ويستحيل شيئا آخر. هل تكفي عشرون عاما
لتكون في حل من ناجي العلي ومن قاتله او ليتساوى ناجي مع
قاتله ويُحشران في رهط واحد، من قتل ناجي العلي. هل يتبدل
قاتله كل عام ويحمل له كل عام قاتلا جديدا. هل يُقتل مجددا
وكل عام في ذكراه الى ان يتعب من القتل والقتلة والسائلين
والمسؤولين عشرون عاما، هل بقي القتل قتلا أم استحال ككل
شيء في السياسة حدثا لا يتميز عن الكذب ولا البهتان، من
قتل ناجي العلي او بالأحرى من لم يقتل ناجي العلي، اذ على
مدار عشرين سنة كم بلغ عدد الذين دخلوا في محاكمة ناجي، كم
عدد الذين دخلوا في مطحنة القتل التي لم تتوقف قبل ذلك
الحين ولا بعد ذلك الحين.
من قتل
ناجي العلي؟ هل بات الأمر كله غير ذي مسألة كما يقولون. هل
غدا نافلا وبلا معنى؟ اذا قتل رسام فلسطيني لكاريكاتور،
مجرد كاريكاتور، فهل يغدو القتل نفسه كاريكاتورا. وكم هي
هذه الكاريكاتورات الدامية في حياة الفلسطينيين والثورات
العربية كلها.
الثورات
التي بنت السجون وأجهزة المخابرات قبل أي شيء، والتي كانت
مسيرتها كلها في أحيان كثيرة فوضى مطعمة بالقتل والفساد،
أي كاريكاتورات كبيرة ودامية. منذ فترة شاهدت أبو نضال جثة
منفوخة عارية إلا من كذبة جوفاء حرص رئيس المخابرات
العراقية على ان تكون في حجم الموقف. ألم يكن هذا ايضا
كاريكاتورا بالدم. ألم تكن راديكالية الزعيم الراحل بحجم
جثة منفوخة وهؤلاء الذين روى باتريك سيل في كتابه عنه،
هؤلاء الرفاق الذين دفنوا في أساسات القلعة، هل كانوا ايضا
أكاذيب بيضاء، هل كانت كل هذه القسوة البلهاء كتلة من
العنف والفوضى والكذب. مجرد كاريكاتور سيء ودموي.
من قتل
ناجي العلي. هل قتل لأنه اقترب حقا من أسرّة منيعة اذا كان
الأمر كذلك فإن الذين يقتلون، لأن السر كله انتهك والقلعة
والسرير معا انتهكا. بالمئات والعشرات لأن ثمة خيطا داميا
بين المزحة والكذبة، بين الفوضى العارمة وحقول القتل، بين
الخسارة الهائلة والسؤال العقيم. بين المذبحة والمهزلة،
لأن ثمة كاريكاتورا احمر وغالبا بتوقيع ناجي العلي بعد كل
تضحية وربما في كل تضحية، ثمة بالتأكيد كاريكاتور ناجي
اكثر صدقا وحقيقة مع الأيام، لأن ما بدا حقيقيا ذات يوم في
لندن بدا فظيعا الى درجة الكذب او التكذيب في أماكن وأوقات
أخرى، ودائما ما نرى كاريكاتور ناجي في قفا المشهد ودائا
ما لا نعود نرى سوى القفا.
من قتل
ناجي العلي، ذلك حادث سياسي. حادث سياسي، وهل كان ناجي ابن
سياسة حقا، هل في كاريكاتوراته حقا سياسة أم سخريات فصيحة
من السياسة، سخريات واستهجانات مؤلمة في الغالب وسوداء،
الفتى الذي بدأ حياته شغيلا في بساتين البرتقال لم يتعلم
سياسة منذ ذلك الحين، الأرجح انه امتلك فقط عينين مركبتين
تريان اكثر المفارقات، تريان اكثر بلونين: اسود وأبيض.
تريان العجيب الذي لا يصدق في اللحظة التي يتحول فيها
الواقع كاريكاتورا ويبصق حقيقته المسننة والفاجرة والمروسة.
كان ناجي يرى اكثر مما يفكر، يرى لدرجة لا يستطيع ان يكذب
فيها عينيه. يرى ولا يصدق ان هذه هي حقا السياسة وهذا هو
قانون الأشياء. هل كان لناجي العلي حقا حزب او طرف، هل
انزلق كما يقال للسياسة. اذا حدث هذا حقا فلا استغرب ان
ينخدع. ان يغتر بالعنف الذي غالبا ما يظنه الأبرياء بريئا.
او يظنه الذين حبلوا من الرؤى الفاجرة قاطعا وكافيا. ان
انحاز ناجي العلي لجهة فإن ذلك سيكون من أضغاث الرؤيا
ولأنه يرى اكثر مما يفكر، ولأن الفوضى التي رآها غالبا
بمخيلة جحيميه او سريالية اكثر من ان يفهمها. يمكننا القول
ان ناجي العلي اغتالته مخيلته. انه هو الآخر لم يحتمل
رأياه واذا تعثر فذلك من عثرات النظر لا من عثرات الفكر.
لم أكن
دائما معجبا برسم ناجي العلي، حدّيته وتنميطه وجهامته، لم
تكن أمورا أحبها في كاريكاتور، لكن حينما تأتى لي ان أراه
بروية تميزت الجانب الآخر، المخيلة العملاقة والهائلة.
التي تتعدى صاحبها، مخيلة ملحمية، هي نوع من تعويض بصري عن
الفكر، قدرة شبه نبوئية على الرؤيا. مخيلة لا ترحم ولا
تترك مجالا لشك، كان يصدق بالتأكيد ما يراه. لأنه يراه
تقريبا بغير عينيه، بعين ملحمة شعبية بعين وعي أعم، كان
يصدق ما يراه ويخاف مما يراه ويتعثر في ان يفهم، ما يراه،
هل اغتالته مخيلته، هل اغتاله تاريخ فوضوي ورهيب وسخيف الى
حد ان رؤيته تقتل.
جريدة السفير -
2002/08/30 |