|
ناجي العلي...رحلة
حنظلة الشاهد والشهيد
كان عمره عشرة اعوام عندما تم انتزاعه من ارضه فلسطين عام
1948, ينتمي لاسرة فقيرة تعمل في الزراعة فانتزعت منها حقولها
ونزح مع عائلته واهل قريته باتجاه جنوب لبنان وهناك مكث بمدينة
جبيل في ضيافة اسكافي فقير صديق والده, لمدة شهرين, انتقل
بعدها الى مخيم عين الحلوة في صيدا.
ناجي سليم حسين العلي, من مواليد (الشجرة) عام 1938 وهي قرية
تقع بين الناصرة وطبريا في الجليل الشمالي من فلسطين, جمعت بين
المسلمين والمسيحيين واليهود, وفي العشرينيات انفصل اليهود عن
سكان البلدة واقاموا مستوطنة على الجانب الآخر من الوادي الذي
تطل عليه القرية.
عرف معنى القنص مبكراً من خلال المواجهة التي وقعت بين اهالي (الشجرة)
وسكان المستوطنة وبعد عمليات كرٍ وفرٍ وصل جيش الانقاذ وانتهت
المواجهة بتسليم الجليل كله الى اليهود.
كانت حياته الاولى عبارة عن ذل يومي حيث يتقاسم مع اخوته
الخيمة التي وزعت عليهم من قبل وكالة الغوث, نصفها للعيش
والآخر لكسب الرزق من خلال بيع الخضار.
درس مع شقيقه الاصغر في مدرسة في مخيم عين الحلوة ولم يستطع
مواصلة تعليمه فتوقف عند المرحلة الابتدائية, عمل بعدها في
بساتين الليمون, ثم التحق بمدرسة مهنية في طرابلس ـ شمال لبنان
الى ان حصل على شهادة دبلوم في الميكانيك ما اتاح له فرصة
العمل بالورش الصناعية.
عام 1957 سافر الى السعودية وبعد عامين عاد الى لبنان حيث بدأ
يتشكل عنده الوعي والاحساس بالوطن عبر مجتمعات للشباب
الفلسطيني, كانت تجمعهم مناسبات أليمة مثل وعد بلفور وذكرى
التقسيم, في هذه الفترة كان المد القومي الناصري يملأ الحياة
السياسية في بلاد الشام, تقرب ناجي من حركة القوميين العرب
وتأثر بفكرهم بتلمسه واجبه نحو قضيته.. دخل بعد ذلك اكاديمية
الفنون في بيروت بتشجيع من اصدقائه الا ان ملاحقته من قبل
الشرطة وكثرة تردده على السجن منعته من متابعة الدراسة, وبعد
ستة اشهر ذهب الى مدينة صور وانتسب الى الكلية الجعفرية لمدة
ثلاث سنوات.
الرسم الاول في حياته كان عبارة عن خيمة على شكل هرم وفي قمتها
بركان ترتفع منه يد مصممة على التحرير, اعجب بها الشهيد غسان
كنفاني ونشرها في مجلة (الحرية), عام 1963, ثم جاء الى الكويت
وعمل في مجلة الطليعة كرسام واحياناً كان يقوم بدور المخرج
الفني والمحرر في آن واحد, نسى ناجي تعلم الفن التشكيلي بسبب
شغفه بالكاريكاتير, وبدأ بنشر لوحة واحدة فلوحتين ولما كانت
الاستجابة جيدة شعر بأن هناك تواصلاً قوياً بينه وبين الناس.
انتقل الى جريدة السياسة الكويتية عام 1968 حتى 1975 ثم ذهب
للعمل في جريدة السفير اللبنانية ببيروت, ثم عاد للسياسة
الكويتية مرة اخرى حتى عام 1977 ثم الى (السفير) اللبنانية
مجدداً, لكن رسوماته ظلت تنشر في جريدة (الوطن) بالكويت مرسلاً
إياها من بيروت حيث ترك الكويت بناء على اوامر من جهات عليا
ليتراجع الى خط الدفاع الثاني ولينضم الى اسرة (القبس) حتى عام
1985, غادر بعدها الى لندن للعمل في القبس الدولي. نشر ناجي
العلي اكثر من 40 الف لوحة كاريكاتيرية طيلة حياته الفنية
بخلاف المحظورات التي مازالت حبيسة الادراج وهذا ما سبب تعباً
حقيقياً له.. اصدر ثلاثة كتب في الاعوام 1967 و1983 و1985 ضمت
مجموعة من رسوماته المختارة.. ونشرت رسوماته في معظم الصحف
العربية حتى ان صحيفة (اساهي) اليابانية اختارته كواحد من بين
اشهر عشرة رسامين في العالم.
اقام معارض خاصة في بيروت ودمشق وعمان والكويت وواشنطن ولندن
بهدف التواصل والتفاعل مع الجماهير... وفي جريدة النيويورك
تايمز ربطوا بينه وبين جماهير العرب حين قالوا (اذا اردت ان
تعرف رأي العرب في امريكا فانظر الى رسوم ناجي العلي ومع ذلك
فقد دخل امريكا بدعوة من مؤسسة اتحاد طلبة فلسطين وقال عنه احد
رسامي كاريكاتير مجلة (التايم)... (هذا الرجل يرسم بالعظم
البشري المبري).
وقد منح الاتحاد الدولي لناشري الصحف جائزة القلم الذهبي التي
يمنحها سنوياً دعماً لحرية الصحافة الى ناجي العلي بعد ان
استشهد عام 1987 عقب اطلاق مجهول النار عليه مساء في شارع (إيف
ستريت) في جنوب غرب لندن واصيب برصاصة في رأسه, نقل على اثرها
الى مستشفى (سانت ستيفنز) ثم الى مستشفى (تشيرنج كروس) وظل
غائباً عن الوعي حتى توفي.
وقد قال الاتحاد في بيانه الذي اعلن فيه قراره ان (ناجي العلي
استخدم رسومه لمهاجمة الاستبداد اينما رآه في الشرق الاوسط
ورسومه الكاريكاتيرية كانت من القسوة بحيث اغضبت كل حكومات
المنطقة.. وبسبب معارضته لانعدام التسامح, اخضعت اعماله
للرقابة وتعرض هو للنفي, لكن اعماله لقيت ايضاً تأييداً عريضاً
بين اولئك الذين يدعون للتفاهم بين الحكومات والشعوب.
وبذلك كان ناجي العلي اول عربي يحصل على جائزة القلم الذهبي
الدولية.
وقد اتسمت رسوم العلي بسمات عديدة اهمها التلقائية في التعبير
عن الموضوع الذي يريد معالجته واختيار عبارات بسيطة وواضحة,
كذلك الاختزال حيث دأب على التركيز في العناصر المستخدمة
والتأكيد عليها من خلال استبعاد الهوامش التي يمكنها ان تثقل
على الموضوع, كما لم يكن اللونان الابيض والاسود بالنسبة له
مجرد خط اسود على خلفية بيضاء, فتعبيراته لم تتوقف عند حد الخط
الاسود واشكاله في الفراغ الابيض, فقد امعن في التضليل وتبيان
انفرادات في ملامح الشخوص بالتخطيط بالشباك والخطوط السوداء,
وكان اعتناؤه ببنائية رسوماته محكماً فبدلاً من التفكيك لجأ
الى التركيب وتكاملية العناصر في اطار المنظور فيعتني بتفاصيل
ما يرسم وبتكامل المساحة.
كان التكرار بالنسبة اليه تأكيداً على الثنائيات التي دخل بها
الى الواقع وكشف عيوبه, وتجسدت فيه كثير من اوجه التقابل مثل
الرجل وزوجته والفلسطيني وجلاده, الشعب والحكم وكان لكل عنصر
من هذه العناصر شخصيته الثابتة والمتفردة.
وكان بطله الثابت ابداً هو حنظلة.. لم يكن شاهدا ومحايداً فحسب
بل هو تعبير عن الضمير الجمعي للشعب العربي الفلسطيني وابن
الارض المتشبث بها والذي لا يمكن اجتثاثه وتجاوزه والشطب عليه,
حنظلة هو الوحيد الذي خرج من اطار الثنائيات لانه الشاهد
والشهيد, والرمز الذي يكثف المعاني ويتماهى معها ويستجلبها
ويكشف عن خباياها.
أمنية
طلعت
صحيفة البيان الإماراتية |