ناجي العلي >> ما كتبوا >> ما كتبه ....ماهر منصور

Google
 
 
 
 

في الذكرى السابعة عشر لرحيله:
ناجي العلي.. من بطولة الواقع إلى أسطورة الغياب

 

في مقبرة بضواحي لندن يرقد صاحب القبر رقم (230190): ناجي العلي.

الاسم لا يبدو غريباً فقد حجز صاحبه مكانه الأبدي وسط الرجال الذين لا يموتون، وترك روحه في اللوحة التي باتت عنواناً له وهوية، وأودعها في جسد حنظلته، الصبي ابن العاشرة، الذي لا يكبر و لا يموت.

لكن الدهشة تكمن في مكان القبر اللندني ذاته، على نحو يصير كل منا مداناً، وقد عجزنا طيلة سبعة عشر عاماً، مرت على استشهاد ناجي العلي، عن تحقيق وصيته الوحيدة التي تركها بين أيدينا، وقد أرهقتها حسابات السياسة فلم يسمحوا له بقبر في مخيم عين الحلوة، ولم يسمحوا له بطبيعة الحال بقبر في قريته الشجرة بالجليل الأعلى الفلسطيني يتظلل بفيء إحدى أشجارها هناك كما فعلها السيد المسيح من قبل. ورغم إدراكه لمدى عجزنا السياسي المتخم بالتنظير الكلامي، واصل ناجي العلي حمل رسالة الكاريكاتور بوصفه فناً يعبر عن كل قضايانا، وبقي متشبثاً بالأمل رغم الهزيمة والانكسار والخيبة التي بدت كما لو أنها قدر ناجي منذ العام 1948، فها هو يردد على مسامع أصدقائه عبارته الشهيرة إثر اجتياح 82: (صحيح هناك هزيمة، لكنني لم أهزم، وأقاوم). وبالروح ذاتها التي ترفض الهزيمة قاوم ناجي العلي الموت طيلة ثماني وثلاثين يوماً بعد إصابته، ليرحل يوم السبت 29/ 8/ 1987 في غياب جسدي احتال به على الموت بينما بقيت روحه المزروعة في الطفل حنظلة تنذر وتحذر وتوصي، يقول ناجي: (حنظلة، هذا المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت إنني أستمر به بعد موتي).

كان ناجي يرى موته ويتوقعه، فيرسم في إحدى لوحاته حنظلة يدير لنا ظهره، ويراقب جثة الشهيد ممددة أمامه، وعلى مساحة الورقة ذاتها كان يوقع وصيته الأخيرة معلناً صرخته الرافضة: (لا لكاتم الصوت) هذا الرفض تكرر في أكثر من لوحة من أعمال ناجي كأنه (حجاب يحميه من الاغتيال الذي كان يشعر باقترابه كل لحظة) ـ كما يقول رسام الكاريكاتور السوري سعد حاجو.

التهديد المستمر الذي رافق حياة ناجي العلي في سنواتها الأخيرة، ومحاولة اغتياله، واستشهاده فيما بعد، فضلاً عن حسابات السياسة التي تدخلت في دفن جثمانه فحالت دون تنفيذ وصيته، تطرح بمجملها مجموعة من الأسئلة المبهمة التي لا يمكن الاقتراب من أجوبتها دون اقتراب حقيقي من عالم ناجي العلي الكاريكاتوري، الذي نجح على مدار أكثر من40 ألف رسم، شكلت مساحة عالمه الفني، أن يحمي ريشته من التلوث، ويجعل منها (مبضع جراح) لا يجامل ولا يهادن، وهو ما كان يراه مهمة الفنان الأولى، وفي هذا يقول ناجي: (مهمتي التحريض،تحريض هذه الجماهير ضد واقعها المزري،وهذه هي حدودي، وهذا هو دوري:كشف الواقع، التعبئة.. والباقي مهمة الثوار).

على هذا النحو (فناجي العلي لا يجيد الرقص على الحبال، ويرفض أن يبيع ضميره في سوق النخاسة، ولذلك اغتيل). وبذلك شكل ناجي الاستثناء الحقيقي الذي فقدناه في حركة الرسم العربي الساخر، فبدا ما يقارب 70% من رسوماته كما لو أنها بيانات سياسية فاضت بصورة ساخرة للنظام العربي كشف من خلالها اللاأخلاقي في الفعل السياسي العربي المخزي... يقول ناجي: (لم تمنعني لذة الكراهية من الإشفاق على مادتي، كما أني لم أهادن البتة في موقفي النقدي الذي يكون قد سكن تفكيري، ولا فرق عندي بين كبير وصغير في (العشائر) السياسية المتناحرة هنا وهناك).

أما في تناولها لقضايا الصراع العربي الصهيوني فقد كانت رسومات ناجي أبلغ أثراً وأكثر تعبيراً من كل بيانات الشجب والاستنكار التي أدمنتها أنظمتنا العربية، على نحو جعل قراءة أي صحيفة يعمل فيها ناجي تبدأ من حيث تكون رسوماته، فضلاً عن تناوله لمأساة فلسطين ومعاناة أهلها، والتقاطه لتفاصيل الحياة وآلام الناس ومواجعهم، وهو ما عبر عنه بحق الأستاذ طلال سلمان (صاحب جريدة السفير) بقوله: (لا تقرأ ناجي العلي إذا كنت تبحث عن بسمة، عن قهقهة، عن إجازة من السياسة وهموم الحياة، اقرأه لتغوص أكثر في همومك، حقائق تاريخك، اقرأه لتكون أنت أنت).

بدأت علاقة ناجي العلي بفن الرسم مصادفة في مخيم (عين الحلوة)، وكان يرسم بدافع التعبير عن الذات ولم يكن يتصور أنه سوف يحترف الرسم يوماً، (ففي المخيم _ يقول ناجي_ كانت الرؤية إلى الحياة يكتنفها الكثير من الضبابية، إذ لم أكن أعرف مستقبلي أو خط سيري في الحياة).

وفي المخيم، وسط عذابات أهله وحنينهم لفلسطين، راحت اللوحة تلملم مفرداتها، عندها يقول ناجي: (التقطت الحزن في عيون أهلي، وشعرت برغبة جارفة في أن أرسمه خطوطاً عميقة على جدران المخيم، حيث وجدت مساحة شاغرة، حفراً أو بالطباشير، وظللت أرسم).

إلا أن أول محاولة شبه جادة في الرسم الساخر كانت في السجن الذي دخله أكثر من مرة و(كان الرسم بمثابة لغته التنفيسية الوحيدة بين القضبان، كان يرسم علي جدران الزنزانة وأحياناً على ورق الأكياس التي تتوفر له من خلال إدخال بعض الحاجات الغذائية). ومن بين جدران السجن انطلق ناجي العلي في رحلة مثيرة تنقل خلالها، متأبطاً لوحاته وريشته، عبر أكثر من بلد عربي ليستقر أخيراً في منفاه اللندني حيث اغتيل بكاتم صوت جبان، وكان ناجي حينها ما يزال يتأبط ريشته ولوحاته.

فنياً: يرى الفنان يوسف عبد لكي أن (رسوم ناجي تعتمد على خط محيط بسيط. يرسم الشخصيات دون تفاصيل، ولكن دون اختصارات شديدة، كما أن الحركة لديه لا تتسم بديناميكية عالية. لكنها تبتعد أيضاً عن الجمود، خطه سلكي عريض، يعتمد عليه وحده أحياناً، وأخرى على الخط والمساحة السوداء، وثالثة على الخط والظلال الرمادية للحبر الصيني المخفف، ورابعة على الخط مع التهشيرات المتصالبة الخشنة، وكان هذا ما اعتمده خاصة في سنواته الأخيرة).

ويقوم البناء الفني للكاريكاتور عند ناجي على أساس الفكرة، التي لا تخلو بطبيعة الحال من جمالياتها الخاصة. وهذه الجمالية ستختلف بالطبع من فكرة إلى أخرى إلا أن جميعها ينظمها إيقاع واحد تضبطه رؤية ناجي العلي الخاصة للجمال الفني، الذي أراده بسيطاً واضحاً رغم رمزيته ومثيراً للدهشة.

وعلى هذا النحو فالمسافة بين الجميل والقبيح في مفهوم ناجي هي مسافة بين رموز الخير والشر،اللذين يمثلان قطبي الصراع في مجمل أعماله الكاريكاتورية، وهو ما حمل اللونين الأبيض والأسود مهمة التعبير عنهما، فالشر لا يراه ناجي إلا من خلال الأسود، أما اللون الأبيض فهو منذور دوماً للخير بصوره المختلفة. إنها ثنائية الواقع التي عرفها ناجي جيداً، وبدت واضحة في الخلفية السوداء لمعظم رسوماته. لقد استطاع، عبر هذين اللونين (الأبيض والأسود)، أن يختصر كل ما يمكن أن تحمله الألوان الأخرى من مضامين، ويؤسس لجمالية فنية جديدة مميزة تخصه وحده، أخذت مكانها في ذاكرة الناس من حوله خلال ثلاثين عاماً من عطاء ناجي الفني، واستمرت فيما بعد مجسدة بحنظلة (شاهد العصر الذي لا يموت_كما يقول ناجي العلي_ الشاهد الذي دخل الحياة عنوة، ولن يغادر أبداً...).

سبعة عشر عاماً مرت الآن وما يزال صاحب القبر رقم (230190) في مثواه اللندني ناطقاً رسمياً رغم غيابه الجسدي باسم جراحنا، يطلق من هناك صرخته المشتهاة: (لا لكاتم الصوت)، بينما نتعفن نحن بالصمت المخزي والانتظار!

ماهر منصور

====
*-
النور (165- 25/8/2004)

      

 

 
 
   
   
   
   
   


 

للتواصل

 

إرسل بطاقات كاريكاتير

 

كتب ناجي العلي

 

شخصيات الكاريكاتير

 

معرض الكاريكاتير

 

ناجي العلي

 

مصممة الموقع

 

مواقع كاريكاتير

 

ما عرضوا

 

ما رسموا

 

ما نظموا

 

ما كتبوا

 


 Design by   Hanaa Al-Ramli  ©1999 - 2008  www.hanaa.net  . All rights reserved