| |

ناجي
العلي >>
ما كتبوا >>
ما كتبه ....
مجدي أبو زيد
|
|
| |
| بقلم :مجدي أبو
زيد |
|
|
قليلة هي الأسماء التي يمثل غيابها القسري، عن
حياتنا، علامة واضحة على غرقنا في الصمت والعيش
الموحل، قليلة هي الأسماء التي يجسد غيابها شاهد
قبر على وجودنا المزيف. فبعد أيام معدودة تدق
السنة الثامنة عشرة جرس الفقدان لواحدٍ ممن حرثوا
وعينا بالمرارة والفجيعة علنا نتعلم مذاق العلقم،
وتستعيد حواسنا شرايين الألم والتوجع، ونعرف ان
الدم العربي لا يمكن إقحامه في القواميس الآسنة.
|
|
ثمانية عشر عاماً مرت بأقمارها العربية دون ان
يكتمل إحداها، ودون ان يداعب عيوننا خيط ضوئي واحد
ينير الدروب إلى من أحب الأرض حتى الثمالة، وقرأ
الأوطان بقلب فصيح الجسارة وضمير يكره الرخاوة.
إنه ناجي العلي، مؤذن النزف المبين، سيد الجرح
المناوئ لذاكرتنا، والذي اغتيل بسكوتنا قبل ان
تطوله الرصاصات المكتومة ليجسد حالة فريدة من
تواطؤ الانسان مع الأشياء ضد الفاضح الأول لصدأ
الاثنين معاً.. |
|
وليس أدل على ذلك من إحدى رسوماته وهي تصور جندياً
عربياً وقد أحال خوذته العسكرية إلى مكان «لقضاء
الحاجة» في سخرية مدوية وكشف عارم عن حالة الكساح
التي تفت في عضد الجميع. ولأن ناجي العلي كان يعلم
ما يتربص به ما بين إغفاءة عين وانتباهتها فقد
انجب لنا من قلب أحباره السوداء وسياط ريشته
كائناً اسماه «حنظلة» جعله وريثاً أثيرياً يستحيل
على كهنة الآثام اصطياده على قارعة طريق معتم، أو
ترويضه حول طاولة مفاوضات يستبد بها شظف الكرامة
وفساد الطوية. |
|
ولد حنظلة من رحم النبوءة المؤلمة في عام 1969 على
صفحات جريدة السياسة الكويتية. وقد جعله العلي
بادئ الأمر مقاتلاً تارة وشاعراً مشاغباً تارة
اخرى.. لكن سرعان ما تحول، عقب حرب اكتوبر، الى
شاهد يعطي ظهره للقراء ليتفرغ، بحدسه المفرط،
لتوثيق ما تخبئه الأيام من انتكاسات مكتومة الصوت
وذائعة الصيت. |
|
إعطاء حنظلة ظهره للكل دليل على تجنبه احتمالات
التبرير والتعتيم التي ربما تأتيه من مزور أو
مدجن، وهو الذي وهب نفسه لدور الشاهد العنيد غير
الملوّث. ولكي يثبت ناجي العلي أن كائنه مقطوع
الصلة والقرابة بكل من حوله فقد رسمه، ذا وجع،
مبتور القدمين، بينما يقوم أحد زواره العرب بتقديم
«نداء» كهدية له في تعرية جديدة للتواصل الأعمى
والأطرش بين أنباء الخندق الواحد. |
|
لقد ترك ناجي العلي تركة يصعب التخلص منها، فهي
غير قابلة للتوريث، فحنظلة لا يستطيع الاندمال مع
من لا يستحق أو لا يملك مبضعاً لتطهير الجروح. لقد
اتسع الجرح يا حنظلة، وفلسطين تناسلت إلى شقيقات
مذبوحات، وأخريات سجينات، وباقيات منكفئات. |
لقد كبرت الآن وبلغت طور الرجولة، فلا تلتفت إلى
الخلف لأنك أصبحت «كليم» المستقبل المُر. إياك أن
تفك يديك، فنحن في حاجة إليك شاهداً لا شهيداً. كل
عام وأنت أقل علقماً يا حنظلة، كل عام ونحن في
شوق، لا نستحقه، إلى لون عينيك. وسلاماً على ناجي
العلى، مبدعك الذي يخجل ضباب لندن ان يقترب من
مثواه الأخير.
|
| |
|
ليست مرثية لناجي
العلي |
|
بقلم :مجدي أبو زيد
|
|
أعطى لحياته معنى، وترك رحيله إرثاً
مدفوعاً بمعان لا تنتهي. ترك مصيره وراء
ظهره كما اراد لوارثه «حنظلة» العنيد.كان
يرى الموت رفيق عمره، يتربص بكل سواد يخطه
على بياض أرّق مضاجع الملوثين.انه ناجي
العلي، حّفار قبور اليأس وبائعي القضايا..
رسام الجروح المزمنة، وكاهن الفضائح
المرشوقة في جسد الأمة. |
|
لم تكن عيناه الضيقتان سوى نافذتين على
مراسم الانحناء، فالزيتون يئن على مرمى
حجر، والبرتقال يستجدي القطف الحنون. |
|
شهيقه العواصف، وزفيره هتاف القلب المسكون
بملكوت فلسطين. مؤثث بمراثي الأطفال،
وأنين الثكالى، ونحيب الأحلام المردومة
بالموت. |
|
يهوى ابتدار النهار بينما تدور طواحين
العتمة في ليالي اللئام. ثمة ماء ساطع من
عاصمة الأنبياء يسرح بين ضلوعه، وهو
منكفيء يرتل ملامح الخريطة. فتلك هضبة
لملاقاة الحبيبة، وهذا سهل يشتهي شقاوة
سلالة المخيمات، وهذه قصيدة مسطورة تحلم
بذات الجدار، وذياك جبل ينتظر رقصة البرق
ذات مطر. |
|
وحين يمم وجهه شطر الانتظار لفّه نعيب
الغربان، وأُضرمت في مناماته حرائق
الصّبار. فكان يصحو كل يوم مكتظاً بالتعب،
يلملم أجنحة العذاب، ليعلن أنه أول الوقت
المنذور للإعصار، يقتلع مسامير نعوش
الشهداء ليحملقوا في سحنة الخونة والأوغاد.
يمسك بالجمرات واحدة تلو الأخرى ليرجم
هروبنا الكبير. |
|
يصحو كل يوم بذاكرة الذبيح، يهيل التراب
على عيون باردة كعيون الموتى، علّها تتذكر
لون الأرض، علّها تتذكر لون الدم المراق
على عتبات السكوت المجلجل. |
|
كان كل صباح يحل ضفائر معشوقته الطهورة،
تلك المتواترة مع هدير النبض، والمحوّمة
دوماً على ضفاف التاريخ. كان يعُدها شعرة
شعرة كأنه يتعلم عدد سنين لا تخبو عن متون
المدى. |
|
كل صباح يحرث الخريطة بطوفان شوقه الراعف
والمرتجف، يمّسد خطوطها النافرة كقلب
جنوبي، يلتف بظلها الظليل كي تهب أصابعه
فزّاعة الساقطين من خصرها الشهي. فيطلق
نسوره صوب الغرفة المسقوفة بالأنصاب
الهاوية، والحيطان الطافحة بالمقايضة،
صارخاً: ستائر «الماركزت» لا تخفي طبائع
الإماء، وان فلسطين جرح لا ينطمر في اسفار
النزف القديم. |
|
ذاع امر الفتى، واندلع اسمه يشق عنان
البلاد، بعد أن صار جسده النحيل رمحاً
يتربص بأقداح القهوة المحلاة بالكلام
الصقيع، وحبات الهيل المفرّغة من نسل
كنعان. |
|
أشاع الفوضى فارتج القطيع حين رفض
الانصياع لمدمني مناديل المنتحبين.. نهرته
العواصم لما ارتكب العلانية، وبات رسمه
مثل وجهه الطيني، ضربة حافر في زمن
الكرامة الرخوة. |
|
نهرته العواصم. فواتته الشمس في منافي
الضباب، لم تندمل ذاكرته، لم تنعّمه معاطف
البرد والغربة..ازداد كحل عينيه، وطالت
أنامله شقوق المنبطحين. |
|
كان ناجي يناجي الفضاء والريح والأزقة
والحارات، ينير شوارع لندن بقمر فلسطين
اللجين. كان يغني: سنرجع ونزيل تجاعيد
رائحة النهر، لنبلل مفاتيح الأقصى بأطراف
ألسنتا، كي تنزلق رويداً رويداً الى فاتحة
الفجر. |
|
كان يغني ويرسم فلسطين من كل الزوايا
والأركان المهملة، وحين باغته كاتم الصوت
ذات ضباب انداح دمه يرتق الخريطة من جديد،
وبدون اسم جديد. ولان صرخته لم تصطف في
خرسنا، ولأن غيابه لم ينتظم في غيابنا..
كأنني سمعته يردد ما قاله ادونيس: |
|
أشعر الآن أني ولدت التقاءً |
|
أو عامود السماء الذي يتراءى |
|
في حجاب من الرعد، أو يتقمص خيط المطر
|
|
أشعر الآن: وجهي خدان ـ ضدان |
|
|
|
|
|
|
|
| |
|
| |
|
| |
|
| |
|
| |
|
|
|
|
|
|
|
|
Design by www.hanaa.net
©1999
- 2004 www.hanaa.net
. All rights reserved |