أشواق إليه: ناجي العلي والشجرة، حلم عشق..
2005/09/15
ليس تماما لك أنت، فيض الحبر الذي يفرغ حبق الخفق، ثمة رجل
آخر يقف علي حافة الوجد، ويصغي عنك. ناجي العلي يجيء من
شوارع أيام بعيدة، والبيت عتمة والليل بردان كي يعزيني
بفقد اثنين، برده ودفئك.
لم أقابل هذا الرجل خارج أوراق الكتب، لكنه الليلة يبدو
انه أجري استفتاء مدروسا لمن يحاورون غيابه، وعثر علي،
وككل الشهداء الذين ذهبوا لا أملك أن أفسر سر البريق
الحارق في عينيه. تساءلت مرارا عن الرجفة التي يطلقها هذا
النوع من العيون. كأن أصحابه قبل ذهابهم يتذكرون مصافحة شئ
ما أحبوه كثيرا فينا، يلخم توقعاتنا بشأن النهايات السعيدة
التي نرسمها لهم. أجل، لا يوجد وصف آخر لوميض يقنص الحاضر،
يلفلفه بالخوف، ويرسله إلي سفر صعب كتبته عيناك علي كل
جدار أسندها من القذائف. ولو أني تمكنت من تجاهل صورتك تحت
دستة الأوراق المتزاحمة أسفل المكتب لنجيت نفسي من هذا
التساؤل.
أعرف، ليس من فكرة الموت خفت، لأن من يفقد يدا أو ساقا لا
يموت، ومن الجائز للبشر أيضا أن يعيشوا بدون أكتاف، ولكن
من اللحظة التي ستبحث عن يديك وتكتشفهما علي جسد سواك.
كثيرة هي الأصابع التي تتآكل وتنأكل هذه الأيام، وتتلاشي
معها الدبدبة المسعورة فوق السطر، وتفحم الغضب في غضاريف
الأقلام. لكن لأصابعك حكاية أخري، ولا يليق بها حتي ما
تعده القصص الخرافية للأطفال من مفاجآت. فأنت لم تحبب مثلا
أن تفقدا يديك أقلامهما العشرة كي تفاجئا العدو بخرافة
تسحره، جميلة ودافئة كانت أفكارك.
كنتَ دائما شابا في سحاب رأسي المشتعل ببريق المغامرة، ولا
تكبر أبدا. دائما بعمر الصورة التي عثرتُ عليها في إحدي
الجرائد الوطنية، وقصصتها خلف عيون أمي ثم خبأتها في أحد
كتبي المدرسية. وطبعا حفاظا علي تواصلي مع سري الصغير بدأت
أنقلها من كتاب لكتاب كلما ارتفعت صفا.
الشجرة
مررت اليوم بموقع الشجرة، شجرتك، ولم أجد شجرة ولا خروبة.
وقفت ساعة وبعض الساعة أتأمل وجهك في الفضاء كما كنت أفعل
تحت السرير، لأنني لم أجد مكانا أصلب فوقه وجهك دون أن تقع
كارثة.
أعرف أنك كنت مولعا بالكوارث، وأعرف أنك أبقيت رفوف جسدك
مكركبة استعدادا لاستقبالها في كل لحظة. بقيت ترفض أيضا
ترتيب أفلام هوسها. تستعرض شرائطها فوق أول جدار تصادفه في
أية خرابة، أو غرفة لا تعرف القنابل العنقودية أنك تخبيء
قدرك بين انكساراتها. تعرف أنك مطارد، فتقابل هواجس القاتل
الذي سينتقيك بالشعوب المنتفضة فوق بياض الورق. حين يصرون
عليك، تستهويك الفكرة فتصر عليهم أنت أيضا. وكلما علت
أصوات الأقلام الحافية خلفك علت حدة التظاهرات الوهمية بين
أوراقك. تميز بشفافية العارف مسح أقدام الحفاة والرعاة
للشوارع والمقابر دون عناء لأن حنظلك ظل حافيا ليل نهار
تضامنا مع هؤلاء. وكنت تعايش دون توقف نقلات أقدامه بين
الأماكن.
هذا هو السر الذي لم تفهمه عقولهم المشدودة لإبزيم الأحذية
البراقة. لذلك كان من غير الممكن لمتشرد عادي أن ينهي
أجلك. كان يُنتظر أن يكون متشردا محترفا ويسير في الشوارع
بهندامه كاملا. هذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة للقبض علي
روح حنظلة. عن بعد سنتمترات قليلة لا تسع الشهقة. منها لن
يترك القاتل مجالا للشك بخطأ الإصابة.
إيلنياه
توقفت دواليب السيارة الأربعة دفعة واحدة، ودون إخطار مسبق
قريبا من شجرتك. كان المغيب واقفا فوق أعلي غصن وهمي
اعتقدنا أنه هناك، رغم أن موجودات الذاكرة كانت غائبة
تماما. ترجلت، وفتشت جادة عن علامة قد تعود إليك. احمرتا
وجنتي قليلا، وأنا أعترف للمرة الأولي ربما أن حكاية عشقي
القديمة الساذجة تلاحقني بجنون، ولا بد أنها هي من يأتي بي
إلي أمكنة غريبة كهذه الإلنياه العجيبة.
عجيبة، لأن البقر يعيش فيها مكان الشجر. ساورني القلق، تري
لماذا لم يجعلوا إسم القرية بقرة مكان شجرة رحمة بغياب
أهلها. ليس استخفافا بقيمة البقر الغذائية والحيوانية،
ولكن تأكيدا لحالة الذعر غير المنتظر التي ضربتني. لسبب لا
أفهمه اعتقدت أن ظلال دراما شيقة ومدهشة تنتظرني في هذه
الإلنياة البعيدة والمنكمشة خلاف حظائر تعج برؤوس البقر.
لم أعثر علي ما يحك حلمي أو يستمطر بدائل لبؤس واقعي. كانت
ألواح الإسبست التي تحمي رؤوس البقرات الأليفة من الشتاء
والحر تُخَشِب أعضائي كلما عجزتُ عن الإمساك بنهاياتها.
صرت جذعا يابسا كالذي يسدون به المنافذ المنسية من لصوص
البقر ممن نشكل نسبة لا بأس بها منهم. تصور لأي درجة
يرفقون بذاكرة قلبك، يسكنونها الحظائر، ويدفعون شعبك إلي
لصوصية مفترضة لن يحلك منها ولا المحاكم الدولية الرفيقة
بقضايا الشعوب المقتولة.
ساءلت نفسي بعد أن تركت المكان عن السبب الحقيقي الذي دفع
اليهود لإحالة القري التي أفرغوعا من سكانها إلي منتجعات
حقيقية لتكبير البهائم، والأبقار تحديدا. معظم القري
المهجرة مشاريع استيطان جماعي للأبقار. ألأنهم مولعون
بلحوم البقر، أم لأنهم يستسيغون مسخ ذاكرة المكان لمحو ما
تتذكره من تاريخها؟ يناورون الرمز كي نكتفي بقراءة الصورة.
ورسائلهم إلينا برقيات ساخنة تحرق السكرة والفكرة.
يرسلونها، وهم علي يقين أننا نفهم أبعادها. فلماذا إذن بعد
أن نفهم يديرون حضارتهم لشوارعنا غير المزفتة ويمهدون أرضا
جديدة لاستقدام قطعان لا نعرفها من الأبقار المستوردة؟
يوسعون بيوتها سنة بعد سنة ويضيقون الخناق علينا. تري لو
كانت الأبقار تفهم تظاهراتنا المستمرة ضد خوارها أكانت
ستنطح أبواب إسطبلاتها، وتتمرد علي نظام الكيبوتسات؟
يقلقني جدا هذا التساؤل، ويقلقني أكثر ألا أعثر علي إجابة
منطقية. أكانت هذه البهائم العاقلة ستعيد اللاجئين إلي
أوطانهم الصغيرة، وتنجز ما لم تتمكن منه دول عربية بدويها
ودوابها؟
مؤلمة هذه التساؤلات حين يسقط اسم شجرتك من معجم الأماكن
ويستحيل إلي إسطبل كبير لأبقار لم ننجح في تفسير محنتنا
لها قبل شوائها.
أخي ناجي
رغم إنكارك لحقيقة هذه الإلَنِياة أريد أن أطمئنك أنها
موجودة فوق الجزء الحي من شجرتك في ذاكرتك وذاكرتنا، وتسلم
عليك. نظرت إلي رسمك واقتربت من موقع الأبقار فجعرت. قلت
لها حين امتنعت عن السكوت، ناجي غضبان منك، ويسلم علي
ذيولك حين ازدادت جعيرا، أنبتها بلطف، لقد استوليتِ علي
بيته، وأكلتِ شَجَرَتِه . ولما أعلنت العصيان، ازددت لها
تأنيبا ليس لطيفا تماما، ناجي سيذبحك، ويأكل لحمك نكاية
بعجرفتك، وضيق أنفك وذهبت.
حيفا
كاتبة من فلسطين